Sunday, May 29, 2011

 

Saturday, April 9, 2011

 

Unthinkable

Unthinkable

فيلم "غير المتصور " للمخرج جريجور جوردان :حفلة تعذيب لزيادة جرعة الكراهية وتعزيز الأسلامفوبيا

طاهر علوان

كل شيء محتمل في كون قائم على فكرة الصراع ، وقائم على نظرية المؤامرة ولعبة المصالح ، وهكذا تم زج المسلمين بصفة عامة بكل ملايينهم في شكل مجموعة واحدة محاطة بالشك والريبة ومحاطة بعلامات الأستفهام حول النوايا والأهداف التي تحرك كل فرد منهم ، لكن المسألة تتسع الى مستوى التحدي الكوني وصراع الأرادات وتقاطعها ،لاسيما بعد حشو الأذهان وتهيئة الرأي العام الى الأدانة المسبقة ورد الفعل المسبق المتحيز ..ماكنة اعلامية عملاقة تسود الأرض وتعمل ليل نهار في حملة منظمة لغسيل الأدمغة واشاعة الذعر في العالم بأسره من كل ماهو عربي ومسلم .

بالطبع هنالك من يذهب بنا الى القول :" او...لكنها سينما ، لكنه فن مجرد ، فلماذا تسحبون الفيلم من افقه الفني والأبداعي الى مناقشة قضايا ساسية او اجتماعية ؟ والجواب هو لماذا عمد الفيلم نفسه وصانعوه الى الزج بأنفسهم في دوامة السياسة ولماذا تعاملوا مع الموضوعات المتعلقة بالأعراق البشرية انتقائيا ؟ وكذلك لابد من التسليم بحقيقة انه مهما كانت هنالك من محاولات للهرب والتملص من الأجابة عن سؤال : ماالذي اراد الفيلم قوله ، فأن النتيجة واحدة وهي ان لكل فيلم رسالة وفكرة وهدف وشيء ما اراد قوله للجمهور العريض ...

ولعل المسألة المهمة هنا تكمن عند الوصول في طريقة طرح الأفكار او فكرة الفيلم بالتحديد الى نقطة المباشرة وترديد ما تذيعه وسائل الأعلام الغربية صباح مساء عن الأشتباه في الشرق اوسطيين والعرب والمسلمين وقضايا انخراط بضعة نفر منهم في اعمال اجرامية ، لكن وسائل الأعلام سرعان ماتقول بوقاحة انه القي القبض على مسلم متطرف ..وفي ضوء هذا التوصيف يجب ان ينشر على الملآ بعد الآن الأنتماء الديني لكل مجرم او قاتل او خارج على القانون لكي يكون هنالك مبرر منطقي لذلك اللمز المتواصل في قناة المسلمين كلهم لافرق بين عالمهم وجاهلهم ..حتى صار في عرف الرأي العام قناعة ان المسلم لايمكن ان يظهر وهو فنان او مثقف او شاعر او طبيب ناجح او مهندس بارع او رياضي ..بل هم تلك الحثالة من الوسخين شعثي الشعر الذين يقتلون الناس بسادية مرضية دون ان يميزوا بين بريء ومجرم وماهم الا نتاج نهاية حقبة السبعينيات من القتلة الذين دعمهم البترودولار العربي والفتاوى الصادرة من بلد عربي يأتمر بأمر دولة عظمى تحت فرية قتال السوفيت الكفرة وتحرير ارض افغانستان الطاهرة من الكفار وتوجيه الجهود والطاقات الى هناك وترك الصهاينة يسرحون ويمرحون وجعل عدو المسلم هو المسلم نفسه وايضا بتمويل عربي وفتاوى جاهزة معلبة (تيك اوي) عربية ..

ملخص القصة

تدور احداث الفيلم في الولايات المتحدة ، شاب امريكي الأصل خدم في جيوش بلاده الغازية في الخارج وكان جنديا ذكيا وماهرا وقريبا من قضايا الأسلحة يتحول الى الأسلام بعد زواجه من امرأة مسلمة فيصبح اسمه (يوسف عطا محمد ) – الممثل مايكل شين - لاحظ العزف على اسم ارهابي القاعدة الأمريكي محمد عطا ، ويوجه يوسف رسالة للأمريكان يعلن فيها انه فد وضع ثلاثة قنابل موقوتة في ثلاثة اماكن مختلفة من الولايات المتحدة لكن تلك القنابل محشوة بما مقداره عدة ارطال من المواد النووية الكافية عند انفجارها لأبادة عدة ملايين من البشر .

ويختار يوسف المواجهة مع السلطات فيقف في احد الميادين الى تتمكن اجهزة الأمن وعبر كاميرات المراقبة من التعرف عليه ويلقى القبض عليه ..وكالعادة في العديد من الأفلام الأمريكية ستظهر اجهزة الأمن الأمريكية : البنتاغون ، السي أي ايه ، اف بي آي وغيرها ، تظهر وهي مختلفة فيما بينها في من يمسك بملف هذا الأرهابي الخطير ومن سيحقق معه لاسيما وانه لم يبق غير ساعات على تفجير القنابل مالم تلبى مطاليبه .وفي النهاية تحضر شخصية رفيعة تحيل الأمر برمته الى محقق في السي آي ايه ، يكنى بالحرف ( (H- الممثل صموئيل ال جاكسون - ويختار المحققة هيلين (الممثلة كاري - ان موس ) مساعدة له وذلك بعد سجالات ومناكفات بين ضباط الجيش وباقي اجهزة الأمن ، وسرعان مايندفع السيد (اج) مرتديا صديرية العمل ، ويوسع المسؤول السابق عن تعذيب يوسف ضربا ... وكان المشهد الذي ظهر فيه يوسف اقرب الى صور سجناء ابو غريب ، اما (اج) فيعد اساليب التعذيب هذه ساذجة ، واول ما يقوم به هو جلب فأس وربط يد المتهم والبدء بتقطيع اصابع اليد تباعا صارخا فيه ان يعترف اين وضع القنابل ، ثم يستخدم (الدريل) – المثقب الكهربائي لعمل ثقوب في فم المتهم ثم يستخدم الصعق بالكهرباء ثم يستأصل قطعة من ذكر المتهم ..وهكذا يتنقل من بشاعة الى بشاعة ومن سادية الى اخرى ، ثم يطلب ان يؤتى بزوجة المتهم التي ترتدي الحجاب الأسلامي ويدور حديث عنها انها ذاهبة للسعودية او قادمة منها ومن باكستان ويرد اسم اليمن في الخلطة المعلومة وتحاول الزوجة اقناع زوجها بالأعتراف والأبلاغ عن امكان القنابل لكن (اج) لايروقه لاشكل تلك المسلمة ولا كلامها فيقرر ان يبدأ بقطع اصابع يديها كما فعل مع زوجها لكن تدخل مساعدته ورفضها ذلك وضرورة الأستجواب الهادئ يؤدي الى صراخ بين (اج) ومساعدته وبحضور كبار الضباط وينتهي الصراخ بأن يجهز (اج) على الزوجة بضربة سكين خاطفة يقطع شرايين رقبتها فتهوي ميتة امام انظار الجميع ولتختفي قصتها نهائيا وكأن حشرة ما قد تم قتلها ولاتذكر اصلا في الفيلم ثم يؤتى بالطفلين وقد البسهما المخرج زيا اسلاميا مع مرور كلمة الجامع والمتطرفين مرات عدة في الحوار ، ويقرر (اج) بمساندة اعلى السلطات ان يفعل معهما مافعله مع ابوهما ويبدأ باعداد العدة لتعذيبهما امام الأب ووسط صراخه وانهياره والدماء التي تسيل من امكان عدة من جسده و كذلك رفض المساعدة تعذيب الأطفال لأنهما دون ذنب ، وتنتهي الدراما باعتراف يوسف بأماكن وجود القنابل ويجري ابطالها وفي لحظة محتدمة مابين كبار الضباط المشرفين على القضية ينتزع يوسف مسدس احدهم وينتحر .لكن اللقطة الأخيرة من الفيلم تظهر قنبلة اخرى مغطاة في مكان غير مرئي على وشك التفجير بينما يتبادل رجال الأمن التهاني بزوال الخطر وينتهي الفيلم .

الصورة النمطية وصراع الأرادات

مما لاشك فيه ان الفيلم يقدم صورة نمطية لمسلم متشدد لديه مطلبان لغرض ان يبلغ اين خبأ قنابله وهما :

عدم دعم او اسناد الأنظمة الشمولية والدكتاتورية في بلدان العالم الأسلامي.

انسحاب القوات الأمريكية من البلدان الأسلامية التي تتواجد فيها .

وكما كان رد فعل كبير الضباط الأمنيين بصدد هذه المطالب ساخرا فأنه اضاف للحكاية بعدا آخر ممثلا في تناقضات مابين ادانة مايسمى التطرف الأسلامي ومابين التسليم بسياسات الولايات المتحدة في العالم ، ولادور لهذا "الحثالة " في قرار من هذا النوع ويقصد بالحثالة هو هذا المتهم .يحمل الفيلم ايضا سجالا عن الحقوق المدنية فالمساعدة تصرخ : لكنه مواطن امريكي ...لكن لاشيء يتغير ...

وتمضي القصة متواترة ’آخذة الكثير مما قدمته وسائل الأعلام عن اولئك الذين انزلقوا الى الأعمال الأجرامية ، لكن بالموازاة يضع الفيلم مشاهديه في مأزق كما وضع اجهزة الأمن في المأزق نفسه وهو الأفتراض : ماذا لو تحول احد جنودنا البواسل فصار مسلما ثم تحول الى مسلم متشدد ثم الى ارهابي ثم الى شخص لديه الأستعداد والقدرة على استخدام اسلحة الدمار الشامل ؟؟؟.هذا هو غير (المتصور) وغير المتوقع الذي على ( امريكا العظيمة) التنبه له والتحوط منه بما اوتيت من حملات الشك واتهام الكل بجريرة الواحد ..والا لأتهمت امريكا بطولها وعرضها على مافعله بوش الأب والأبن بملايين الأبرياء ومافعلوه من قبل باليابانيين والفيتناميين والهنود الحمر ..و ..و ..

وبالطبع لايمر تبرير وجود المواد المشعة مرور الكرام بل يشار الى انها مهربة من بلدان اسلامية ولايكاد يسلم بلد مسلم من هذه الخلطة وخاصة في اثناء التحقيقيات .

وصراع الأرادات تثيره ردود افعال المساعدة (هيلين ) تلك التي تؤمن بالمهنية في التحقيق وانتزاع الأعترافات واستخدام اساليب نفسية مع المتهمين ، وهي تمارس هذا الدور بتمكن في تحقيقها مع يوسف الذي بعد تعذيبه وترويعه يعترف انه لاتوجد اية قنابل وان ماقام به هو فقط لكي يلفت انظار السلطات ،وتصدقه تلك المحققة وكأنها حققت انجازا ولكن ماتلبث احدى القنابل ان تتفجر في احد الميادين وبذلك تسقط فرضيات المساعدة في احترام حق الأنسان وخاصة كونه مواطن امريكي ان تتبع معه الأساليب القانونية الصحيحة في التحقيق .

الفيلم عدا عن كونه فيلما بشعا وكريها وعدا عن كونه سلسلة من جلسات التعذيب ، وتقطيع الأطراف وبقر الجسد بالمثقاب الكهربائي وكل اشكال السادية ليس فيه غير مشاهد هي اقرب الى الحوارات المسرحية المملة والسمجة وليس غير مناكفات الأجهزة السرية وتناقضات مواقفهم وصولا الى اطلاق يد المحقق (اج) في الترويع والتعذيب ، لكن السؤال هوماهي ميزة هذا الجلاد عن اي جلاد آخر ؟ لماذا الجلاد (اج) شخصيا هو احسن جلاد امريكي ؟ هل هي مهارة عظيمة ان تأتي بأي جلاد بمستطاعه تقطيع الأصابع وبتر العضو الذكري للسجين ؟

يبدو ان ميزة (اج) انه جاء محملا بالكراهية اذ هو متزوج من امرأة بيضاء تعود اصولها الى البوسنة وحيث تزعم انها واسرتها تعرضت الى الأعتداء والأغتصاب ابان الصراع بين الصرب والمسلمين ولهذا فهي تبث في ذلك الزوج مزيدا من الحقد والكراهية والأندفاع في التعذيب انتقاما لها ولأبناء بلدها ...

الفيلم محزن ومأساوي في موضوعه وطريقة خطابه لأسباب عدة من اهمها جرعة الكراهية العالية التي يفيض بها والتي بأمكانها ان تسمم العقول وتثير الأحقاد وتزيد من وتيرة الشكوك والصراعات القائمة في عالمنا اليوم وتعزيز الأسلامفوبيا او الخوف المرضيمن الأسلام والمسلمين.

الممثل سامويل جاكسون لايضيف شيئا الى رصيده في هذا الفيلم على الأطلاق بل من المؤسف ان ينحدر ممثل من وزنه الى هذا المستوى من الضحالة في التمثيل بلأجساد وتقطيع الأطراف في اداء روتيني ممل ورتيب ...في المقابل فأن منطق الأدانة الذي يمكن ان يستند اليه الفيلم ونخرج منه هو ان الأدانة يجب ان تشمل كل المجرمين على وجه هذه الأرض بصرف النظر عن اديانهم واعراقهم ..اما ان احداث الحادي عشر من سبتمبر في نسختها البوشية قد وضعت المسلمين كلهم في (غيتو) كبير بسبب المواطنين الذين يسميهم الأعلام الأمريكي ب (السعوديين الوهابيين) المشاركين فيها او بسبب المواطن السعودي بن لادن فذلك لايمكن ان يكون سببا على الأطلاق لأدانة مليار ونصف المليار مسلم ...لكن المسلمين والعرب الخانعين وزعمائهم المشغولين بتكديس الثروات عليهم اداء رسالتهم في تلقي الصفعات والأهانات من جهة وضخ اموالهم لتلك الماكنة الأعلامية – السياسية التي تنتج افلاما كهذا الفيلم ووسائل اعلام تشتمهم وتحتقرهم وتحط من كرامتهم ومواقف سياسية واجراءات تذلهم وتهينهم وهم راضين مبتسمين يكافئون من يفعل بهم كل هذا بمزيد من الثراء والغنى والأنبطاح ...

............

المخرج هو الأسترالي جريجور جوردان وهو من مواليد 1966 ، اخرج حتى اليوم ستة افلام هي ، اليدان ، جنود بوفالو ، نيد كيلي ، هذه الأيام ، والمخبر وآخرها هو هذا الفيلم

.......................................................


 

شيء ما عن تجربة المخرج "طارق صالح"

شيء ما عن تجربة المخرج "طارق صالح"

الشخصيات الأفتراضية في حياتها الواقعية

طاهر علوان

ربما نكون امام تحولات ملحوظة ومهمة على صعيد ادماج الصور المتحركة مع الصور الواقعية ، بمعى ان تكتسب الصور المتحركة اشكالا واقعية و تجسر الفجوة مابين تلك الحياة في الصور المتحركة مع صور وملامح الشخصيات والأماكن في حقيقتها الواقعية ، ربما يكون ذلك في حكم تحصيل الحاصل نظرا للتطور التقني الهائل في استخدام برامج الكومبيوتر وبرامج التصميم والرسم بشكل خاص التي صارت تقدم يوما بعد يوم نتائج مذهلة ومتقدمة لم تكن في الحسبان ولم يكن احد ليتوقعها وهي تتسارع في كل يوم .

لكن المسألة لاتكمن في الأنجذاب للجانب الشكلي من الموضوع بمعنى الأعجاب بالأشكال وجمالية التصميم الذي ربما يستهوي قطاعا عريضا من متابعي هذا التطور ولكن المسألة تتعدى ذلك الى ماهو ابعد ، الى الوصول الى المستوى الذي تتمكن فيه الصور المتحركة من الأفصاح عن دواخل الشخصية ومشاعرها وردود افعالها ونقل الجو العام المحيط بها وهذه كلها تتكامل في شكل جديد من الأدماج مابين الشخصيات الحقيقية والشخصيات الأفتراضية والخيالية .

وتبرز تجربة المخرج والمصمم والرسام السويدي من اصل مصري (طارق صالح ) من بين التجارب الرائدة في هذا المجال ، لاسيما وانه تنقل من الرسم والتصميم والتلفزيون الى السينما والى الرسوم المتحركة وكل هذه الحصيلة تراكمت عنده في سن مبكرة في سنوات عيشه في السويد حتى عد اليوم واحدا من ابرز الفنانين السينمائيين السويديين والذي تجد اعماله رواجا واهتماما كبيرا في المهرجانات الدولية والعروض العامة .

تجربة طارق صالح ثرية ومتعمقة في صنع الشخصية وفي السيناريو المتقن ، وهو يعمل على تجذير شخصياته ومنحها عمقا وفاعلية ، فهي حتى وان كانت افتراضية فأنها ابنة بيئتها وتحمل هما انسانيا واقعيا ، وبموازاة ذلك يعنى طارق صالح بطرح شخصياته بشكل مبتكر في مجال الرسوم المتحركة فهي شخصيات تتميز بملامح واقعية تماما حتى انك لاتستطيع فصلها عن الوجوه الحقيقية او الأفتراض انها مجرد رسوم متحركة .

ويحرص المخرج ايضا على ان تكون رسالته متكاملة ومتعددة المعاني ، تنطوي على غزارة في الوعي والفعل ، وهو تحوط مقصود بقصد ان تقترب الشخصية الفيلمية اكثر واكثر من المشاهد فيتفاعل ويتعاطف معها ويجد فيها مايؤهلها لأن تكون وتحيا نابضة بالحياة .

في تجربة طارق صالح ايضا غوض في اشكالات متعددة وعلاوة على ذلك السعي لأن يكون الشكل المعروض على الشاشة ، شكلا منحوتا من الواقع ، وفيه كثير من ملامح الواقع وكذلك فيه ملامح من الحياة الأفتراضية ، مما تجود عليه موهبته في التصميم والرسم واستخدام برامج الكومبيوتر المتقدمة ثلاثية الأبعاد وهي من دون شك مهمة ليست سهلة ان تصل بفيلم روائي يستخدم هذا الأدماج مابين الشخصيات الأفتراضية والحقيقية ومعالجتها من خلال افلام الرسوم المتحرك هو تحد كبير لاسيما عندما يطرح فيلم بهذه المواصفات ليعرض في المهرجانات المعتادة التي تتسابق فيها الأفلام الروائية الأخرى .

فيلم ميتروبيا

في فيلمه الأحدث (ميتروبيا ) يخوض طارق صالح تجربة جديدة من خلال طرح نوع من الأفلام المستقبلية فيما يشبه الخيال العلمي المدمج بفكرة واقعية ، ففي هذا الفيلم تقع الأحدث في اوربا المستقبلية ، وفي عالم سينفد البترول منه عما قريب ولنتخيل عالما بهذا الشكل ، اوربا بلا بترول سترتبط ببعضها البعض بشبكات معقدة من المواصلات خاصة قطارات الأنفاق ، هذه الشبكة ستتحول الى اخطبوط عملاق من الصعب الأحاطة به ويشعر المرء بالعجز عن ان يجد مكانه وسط تلك الدوائر المتلاحقة من شبكات النقل المرتبطة بنظام الكتروني متطور .

وكلما دخل (روجر) – الشخصية الرئيسة في الفيلم ، كلما دخل هذا النظام المعقد ، شعر وسمع اصواتا لغرباء يهمسون في اذنيه ولا يجد روجر حلا الا بالبحث عن شخص مايجد له تفسيرا ما لهذه الأصوات وماهي ومن اين تأتي ؟ وتكون نجمة الأعلانات والشخصية الأقرب الى لغة العصر التكنولوجي هي الشخص الأنسب الذي يمكن ان يجبيب روجيه على تساؤلاته ، وبدلا ان تتكشف له حقائق تلك الشبكة الغرائبية فأنه يجد نفسه كلما غاص عميقا في ذلك العالم التكنولوجي مع نينا يجد ان المسألة تزداد تعقيدا ، وهو في كل الأحوال ليس بالشخصية الودودة ولكنه انسان بسيط وحائر فيما يجري حوله ، عالمه يزداد اضطرابا وتعقيدا وحياته الزوجية تتميز بالبرود والرتابة ، ولعل الشيء الوحيد المهم بالنسبة له هو اعادة اكتشاف ماحوله ولهذا تراه يركب دراجته ويجول في عالم مقفر انقطعت فيه خطى الناس ولم يبق الا هو في ذلك العالم المجهول فيما هو يجول المكان على دراجته الهوائية دون جدوى ،وبموازاة ذلك فأن هذا الشخص القلق يجد نفسه منذ الوهلة الأولى منجذبا الى امرأة واحدة هي نجمة الأعلان التي تروج لنوع من الشامبو وبالرغم من انه حليق الشعر الا انه يصر على شراء واستخدام ذلك النوع من الشامبو الذي يمتزج مفعوله مع ولعه بالتطلع الى صورة نينا الفاتنة ،فهو شامبو نينا التي يعجب بها ، وتبقى صورتها وظهورها على الشاشة عالقا في ذهنه متخذا شكلا اقرب الى الخيال منه الى الواقع ، فكيف اذا تمثلت نينا امامه ، كائنا حيا ، كنقطة ضوء في عتمة تلك الشبكات الهائلة من خطوط الميترو ، اجل هي هناك وسط الضجيج ، واذا به بالقرب منها يكلمها وتكلمه بعد ان يلاحقها وتكتشف ملاحقته لها ويعترف هو بذلك لتقرر انها ستغير حياته رأسا على عقب، وذلك عندما يكتشف ان الأصوات التي ترن في رأسه وتخبره بما يفعل ومالايفعل وترافقه في حياته اليومية هي ليست اوهاما او اصواتا متخيلة بل هي اصوات حقيقية ، وتصدر عن شخص واحد ، يرسل صوته عبرمجسات خاصة وذلك عن طريق التأثير الذي يسببه الشامبو الذي تروج له نينا اذ تتحول الشعيرات يفعل ذلك الشامبو الى مجس يتسلم ايعازات من ذلك المصدر تحثه على فعل اشياء وكذلك تحثه على مزيد من الأستهلاك والأدمان على شامبو نينا وهي مؤامرة تقودها نينا وابوها وشكرات كبيرة .

الرسوم المتحركة لم تعد للأطفال فحسب

هذه الخلاصة تجيء من اوراق مهرجان السينما الفانطازية في بروكسل في دورته الثامنة والعشرين تعليقا من لجنة النقاد على فيلم المخرج طارق صالح الذي عرض في المهرجان حيث شاهدناه هناك ، فهذا الفيلم يخرج الرسوم المتحركة حقا من نمطية المشاهدة التي جعلتها نوعا قريبا من عالم الطقولة بعيدا الى حد ما عن عالم الكبار ، لكن ميروبيا في نظر الكثيرين هو فيلم كافكوي يقترب من علم كافكا في مسخ الشخصيات وانسحاقها تحت وطأة الواقع فالشخصيات في فيلم طارق صالح تعيش غاليا في اقبية وكل شيء تقريبا مغلف باللون الرمادي والناس تعيش في عوالم منفصلة ، انها اوربا 2024 ، التي تسيطر عليها ثقافة الأخ الأكبر ، النظام الأستهلاكي الذي يتسلل الى عقل الفرد من خلال نزعة الأستهلاك بل انه ابعد من ذلك انه يقترب من تخوم عالم جورج اورويل ويطلق نوعا من افلام الرسوم المتحركة التي تحاكي الواقع الأنساني وتقدم لنا شخصيات متأصلة بالواقع ولكنها تعيش فصاما مريرا وعزلة وقلقا في مجتمع غاب عنه الكثير من الحب والأمان والراحة وسيطرت عليه مسحة رمادية كئيبة غلبت على الأماكن واحاطت بالشخصيات .

يوظف طارق صالح هذه التقنية مستخدما الصور الفوتوغرافية ويلتقط وجوها من الحياة ، من الشارع ، باستثناء الممثل (اليكساندر سكارسجارد ) الذي ظهرت شخصيته على الشاشة مأخوذة من شخصيته ووجهه الحقيقي ، ولاشك ان كل شيء ماعدا ذلك يستفز المشاهد ويبعث في داخله تساؤلات عدة تتحدث عنها الناقدة "ناتاشا سينجانوفك" في مجلة (هوليوود ريبورتر) قائلة ان ما يثير اشكالا في هذا الفيلم على الرغم من كل مافيه من مقومات وعناصر النجاح هو حبكته ، فهي حبكة اقرب الى الروح الروائية من خلال عرض وجهات النظر والتفاصيل ابتداءا من طريقة بناء ومعالجة شخصية روجر ، الشخصية الرئيسية الأشكالية في الفيلم هذه الذي تستنبت ( مايكرو جيبس ) في دماغه دون ان يدري لغرض السيطرة عليه وتوجيهه نحو مايريده مصممو ذلك النظام في السيطرة على افكار وتوجهات الآخرين .

بموازاة ذلك وايضا بالرغم من العناصر العديدة التي انجحت الفيلم الا ان ردود افعال الشخصيات ربما لم تكن بالصورة التي يفترض ان تكون عليها حيث سارت على وتيرة ونمطية واحدة متكررة ولم يكن هنالك من تحول رافق تحولات الشخصيات ، فاكتشاف روجر لسر الصوت الذي يصرخ في رأسه لم يرافقه تحول في الشكل الفني ، في التصميم ، في الأضاءة في افعال الشخصيات فضلا عن ان هنالك من يعيب على الفيلم استخدام اللغة الأنجليزية بلكنة امريكية لجميع شخصيات الفيلم مع ان الفيلم سويدي ولاتدري ماهي اسباب هذا الأستخدام وماهي اهدافه .

عن طارق صالح

هذا المخرج كما يشير موقع (اتمو) السويدي هو من مواليد السويد (1972) وينحدر من اصل مصري ، واخرج حتى الآن العيديد من الأفلام التي حصدت الجوائز وخاصة مع بداياته مع الفيلم الوثائقي وتعد مؤسسة ( اتمو) من المؤسسات الرائدة في السويد في مجال انتاج الرسوم المتحركة وطارق صالح هو احد مؤسسيها وسبق له ان اخرج وانتج وصمم العديد من افلام الرسوم المتحركة القصيرة .

بدأ طارق صالح حياته رساما كرافيتيا ودرس الفن في ستوكهولم واخرج المجلة السينمائية الوثائقية (Alive in Cairo) عام 1995 .

ثم نشر مجلته باللغة السويدية (اطلس) .في سنة 2001 . اخرج مع ايريك جرانديني فيلما عن موت تشي جيفارا وفي العام 2003 اخرج لصالح التلفزيون السويدي مسلسلا دراميا (حلم فريق العمل ) .واستمر بالعمل في هذا الحقل اذ شارك مع المخرج السويدي فريديرك لندستروم في انتاج اعمال اخرى ونال سنة 2007 جائزة احسن عمل تلفزيوني ثقافي من التلفزيون السويدي وهو معروف بكونه مخرجا تلفزيونيا ومعدا ومؤلفا وايضا محاورا جيدا على الشاشة .لكن عشق طارق صالح للرسوم المتحركة دفعته الى جانب اخرين الى تأسيس مؤسسة ( اتمو) المتخصصة بأنتاج الرسوم المتحركة والتي انتجت العديد من افلام الرسوم المتحركة القصيرة.

"ميتروبيا " هو آخر واحدث افلام طارق صالح وشارك في العديد من المهرجانات في اوربا وآسيا وامريكا والشرق الأوسط ومازال يطوف المهرجانات.

يمكنكم مشاهدة مقدمة فيلم " ميتروبيا " ولقطات منه على هذا الرابط:

http://www.atmo.se/film-and-tv/metropia/..

ويمكنكم معرفة المزيد عن طارق صالح ومؤسسة اتمو على هذا الرابط

http://www.atmo.se/about/tarik-saleh/


 

الواقعية السحرية في افلام المخرج اريك رومر

الواقعية السحرية في افلام المخرج اريك رومر

فيلم (حكايةالخريف، 1998) انموذجا

فيونا أي . فيليلا

Viona A.Villella

فيونا اي فيليلا تعمل محررة مشاركة في موقع احاسيس سينمائية وناقدة سينمائية مقيمة في ملبورن – استراليا

ترجمة د.طاهر علوان

(لقد اعتاد المشاهد و لمدة طويلةعلى ترجمة الإشارة البصرية، وإلى استخراج حقيقة مفادها : لماذا كل صورة هناك لها القابلية على تقييم الواقعية البسيطة.)

إيريك رومر

قدم فيلم حكاية الخريف، شخصية ماكالي Magali (بياتريس روماند ) وهي تشرح لصديقتها القديمة إيزابيل (ماري ريفيير ) نوع العلاقة الحميمية التي تربطها بحقول الكروم . كانت ترسم تضاريس الموقف كما لو كانت ترسم بريشة فنان، تحترم وتعبر عن خواص الطبيعة ، وخلال هذا بدت رافضة ومعارضة ان تتحول تلك العلاقة بالمكان الى علاقة عمل او تجارة بينما الواقع يحتم ان يستغل المكان من اجل عملية صناعية فضلا عن التصدير الذي ترتبط بالمنتوج الزراعي .

الشيء نفسه يمكن ان يقال عن المخرج اريك رومر وعلاقته بالواقعية والتي تتمثل في صناعته للفيلم . ومن المنطلق الشكلي والأسلوبي فـأنه لم يفرض وجهة نظر او تفسير محدد من خلال الأفلام التي انجزها كما انه يتصنع احساسا او زمنا .في مقابل هذا وجدنا رومر وقد راقب بدقة شخصياته وحالاتهم بطريقة مستقلة او منفصلة ، محايدة ،بسيطة وجديرة بالأحترام .

لقد تعامل رومر مع الواقع من اجل ان يولد ايقاع من ذلك الواقع ، تأثيره و تعقيداته وكل ذلك من اجل اكتشاف وتقديم الجمال وروحه الكامنة .لقد كانت ميزة افلام رومر انها افلاما آسرة للمشاهدين وذلك من خلال طابعها المادي والحسي عبر تلك الواقعية الفيلمية اصوات زقزقة الطيور ، لعبة الظل والضوء وانعكاساتها على وجه روسين ( الممثلة اليكسيا بورتال ) في فيلم حكاية الخريف ، إبتسامة إيزابيل في تلك اللحظة وكأنها يعاد اكتشافها ، ثم اثر الريح المتدفقة وهكذا. هذه لحظات هي لحظات "واقعية سحرية".

ان حالة المخرج رومر هي فريدةُ حقا . بالرغم من أن خبرته كانت قد بَدأتْ بين متطرفي الموجةِ الجديدةِ في السينما الفرنسيةِ، فأن رؤيته المحددة وخاصة كلاسيكياته المقترنه بأسلوبه الشفاف في صناعة الفيلم كانت مختلفة كليا عن اساليب اقرانه السينمائيين . لقد كانت افكاره السينمائية اكثر قربا من افكار اندريه بازان (وهو كان مقاربا له في العمر ايضا ). خلال الستّينات و' السبعينات وهي حقبة الحداثة المتعسكرة ، لم يكن رومر يخشى ان يتحول الى مجرد مخرج كلاسيكي . وكما قال يوما في مقابلةأجريت معه في سنة 1971: سؤال : - "ماوجهة نظرك عما يجري للفيلم الآن ؟ هل تعتقد بأن نوعا جديدا مِن السينما سيأتي إلى الوجود؟ الجواب : "بالنسبة لي ان ماهو جديد حقا هو تلك الأفكارِ التي لاترتبط بزمن ".

في بيان مشهور كشف رومر عن رؤيته للسينما : "ليست السينما كما ستنتهي او تؤول بل بكونها تعبر عن وسائل ". ان تقنيات السينما،هي اولا و قبل كل شيء، لها قابلية فريدة لإعادة إنتاج الحقيقةِ بشكل دقيق مع ذلك فأن هذه الرؤيةِ تتقاطع مع وجهة النظر المحافظة والجوهرية تجاه العالمِ، انها تمرر أسلوبا متفردا في صُنعِ الأفلام. ان ميزة رومر انه إنساني ومعتدل؛ تعرض افلامه نقاطَ الضعف، التشويش، عدم استقرار الشخصيات كلحظات "صغيرة" ولكنها تقدم بطريقة غير مألوفة .

في مقابلة اخرى ضمن مائدة مستديرة مَع عدد من النقاد ، يؤكد رومر ارتباط الواقعية التي يؤمن بها بمرحلة الفيلم الصامت وتحديدل بأعمال لوميير .

يقول : من خلال هذه الأفلامِ فقد بقينا مع بإنطباعِ اننا نرى العالم بعيون مختلفة . انها افلام تجعلنا نتعلم كيف نعجب بأشياء لم نكن نعلم بها وكيف نعجب بها في اشكالها الأصلية .الناس تسير في الشوارع ، الأطفال يلعبون ، القطار يسير ، لاشيء غير معتاد لكن هذا هو مدخل الأحساس بالدهشة وهي في قناعتي المسألة الأكثر اهمية " .

اضافة الى ذلك كان رومر يُؤمنُ بالجمالِ الضروريِ للعالمِ ومثل هذه اللحظاتِ "العاديةِ"، هي الطريق التي يصور من خلالها هذه اللحظاتِ إلأستثنائيةُ. بواسطة التأطير و والقطع الدقيقِ، لفت إلأنتباه إلى لعبة الضوءِ الطبيعيِ ، تصميم الصوت الذي يندمج بنص بأصوات الحياة الحقيقية . أفلام تحرك فينا دهشة المشاهدة حقا .وكما هي الموسيقى، فأنك ترى الشخصيات وهي تتحرك برشاقة، وبشعور عميق وعاطفةِ تتوارى خلف المظهر الرسميِ.

بالرغم من أن الفلمِ والموسيقى يتشابهان في التركيبِ والتأثير، الا ان قوانينهما تختلفُ بشكل جذري. ان السينما بأعتبارها فنا ادائيا ، فأنها تمتلك قوتها من خلال فعل الأكتشاف وعرض الحقيقةِ في صلابتِها وقوتها المادّيه.وعند المخرج رومر نجد ان بناء المشهد السينمائي يتضمن اعادة تقديم القصة من خلال اية وسائل مادية ، المظهر الفيزيائي للشخصيات ، كلماتهم ، نغمات اصواتهم فضلا عن التأطير والمونتاج .

السينما حتى في الأفلام الروائية هي اداة للأكتشاف ،ولأنها شاعرية فأنها تكشف المزيد ، ولأنها تكشف فأنها شعرية .

ومما لاشك فيه ان اهتمام رومر وحرصه على تقديم الأشياء كما هي فأنه يبعد تأثير التقنية التي تؤثر في صنع الميلودراما ( لهذا فأنه لايستخدم الموسيقى في افلامه ) وأية تقنيات يمكن القول انها تفرض وجهة نظر على واقعية رومر ، ان سمة الوضوح والتماسك في رؤية رومر قد اوجدت سينما أسطوريةَ مبكّرةَ فضلا عن الظهور الأولَ للعالمِ الذي تمت اعادة إنتاجه ميكانيكياً؛ ان الأنطباع الأول لإنتقال الأجسامِ عبر المكان ؛ السحر في التَأْطير والأقتراب من الحقيقةِ؛ كل هذا يقود الى التساؤل العجيب الذي يظهر على السطح في كلّ يومِ وعن الذي يجري تصويره واعادة انتاجه من خلال الضوءِ والزمان والمكان .

على نقيض هذا كله نجد ان رومر يمزج ( ويحقق موازنة بين مايمزج ) ، يمزج واقع صناعة الفيلم ببعده النصي والمادي - والمحصلة هي ايروتيكية الواقع .. ومع السرد الهوليوودي الذي يتميز بالشفافية . إنّ الميلَ الى ماذكرناه آنفا صار سائدُ جداً في آخر عرض لحكاية الفصول الأربعة من ( حكاية الخريف 1998 ).

على خلاف فيلم حكايةِ الصيفِ (Conte d'ete، 1996) وأفلام سابقةاخرى له ، فأن رومر لايبني القصة على ايام قد خلت ، وحيث يعلن عن ولادة يوم جديد من خلال العنوان الثانوي ، الذي لَه دور في تَصعيد التأثير "الأنثوغرافيِ"هذه الأفلامِ. في فيلم حكاية الخريف هنالك القطع المونتاجي والأحداث جديرة بالأهمية . مع ذلك يَبقى الأحساس "ألأنثوغرافي جديرا بالأنتباه وذلك على مستويات الصوتِ والصورة، وعلى مستوى تفصيلات الزمان والملمس وطبيعة الشخصِية.

وامتدادا للطبيعة الأنسانية التي تتميز بها افلام رومر فأننا نلمس وفاءه للشخصية والمكان في تلك الأفلام لِذلك تجده يبني وينظم عناصر مهمة في افلامه مثل :عمر الشخصِية , عرض فترة محددة من حياتِها، التاريخ الذي تقع فيه الأحداث في السنة ، الموسم ، اليوم، الوقت من ذلك اليومِ ثم المدينة والبلد.

فمثلا فيلم حكاية الخريف يركز من البداية على تقديم الموسيقى والغناء للتعبير عن حياة القرون الوسطى .

في بداية الفيلم هنالك الأصوات الواضحة لزقزقة الطيور مع ظهور تدريجي للصور مؤطر بعناية ، ثم لقطات للشوارعِ الضيّقةِ والطويلةِ , ثم ملمس البنايات في تلك المدينة الصغيرة وكلها تزج بالمشاهد في ماهو محدد وآني. ان من هو معتاد على مشاهدة افلام رومر يعلم جيدا ويتوقع انه سيشاهد كل هذا بالرغم من ان اغلب مشاهد الفيلم كانت قد صورت في اماكن طبيعية وحقيقية ساحرة .وهنا لابد من القول ان رومر لاينغمس في رومانسية عالم الطبيعة مطلقا ، ( وماذا ترى بأمكان المرء ان يحدد بالنسبة لصانع فيلم سياسي ) في المقابل فأن مايأسره هو عمليا هو العالم اليومي لشخصياته .

وعلى سبيل المثال، هنالك الإتّصال الفطري بين الفتاة ماكالي ومزرعة الكروم التي تلعب دورا مهما في حياتها ، وحيث تقدم المشاهد في وادي منطقة الراين وحيث شخصيتها الحيوية والصلبة وحيث تظهر وهي في المقدمة دائما ، مسيطرة على اطار الصورة كما لو كانت تسير على النبات بثقة وبلا مبالاة وهي تقود ايزابيل .

في ظل هذا كله سيكون من الصعب التغاضي عن الجمال الفطري للريف وللقرية الصغيرة التي تم بناؤها لأجل هذه القصة فضلا عن الطريقةالعملية للأيحاء بشكل حساس ومتقن للمشاهد في سياق احتفالي بالحياة . حكاية الخريف هي وصية واقعية ذات بعدإنساني , هي إحتفال بالحياة وبكل حالات غموضها وتشوشها . وهناك الكثير مما يقال عن تلك الحبكة البلورية التي تقدم صورة ما للقرون الوسطى ، انها خريف الحياة ، انها الحقبة التي يفترض فيها العالم ان الأشياء في اماكنها الصحيحة ، او يجب ان تكون كذلك ، وحيث هنالك درجة معينة مِن إلأنجازِ والأحساس بالسعادة قد تم بلوغهما ويشعر المرء بالأستقرار لدى بلوغ السنوات الأخيرة من العمر .

وفي كل الأحوال فأن رومر يكشف من خيال ازيائه المعتادة والبارعة عن كل هذا الغموض والشك ، مشاعر الخوف وعدم الراحة لدى شخصياته وهي في منتصف العمر .

ويقدم الفيلم شخصية ماكالي المحنكة صانعة النبيذ وهي تعيش وحيدة ، اولادها وزوجها قد غادروا ، وهي في حواراتها مع صديقتها ايزابيل تكشف عن وحدتها . ومن بين ذلك مشهد متميز اوحى بهذا الأحساس مباشرة تدفق في العاطفة الممزوجة بالألم والأحساس العميق بالوحدة. ولعل الكلمات المتبادلة بين الشخصيات تفصح عن مجموعة من المعطيات : الخط المتتابع للأفكار ، الأيقاع والتأطير ، الأسلوب العفوي والمباشر ، وكل هذا مع مظهر ماكالي القوي والغليظ لتتباين كلها في لحظة واحدة مع الشعور بالأنكسار الممزوج بالرغبة في الأندفاع .

ثم يأتي موضوع ايجاد شريك لماكالي ليمثل القوة الموجهة للسرد والمحور الذي من خلاله تتجه افعال ودوافع ايزابيل وروسين .

ان تردد اصداء شخصية ماكالي من خلال شخصية ديلفين (الممثلة ماري ريفيير ) في فيلم في الحرير الأخضر (1986)،وحيث يتم التعبير عن الأحساس بالوحدة بشكل متحرك و بشكل مؤثّر وشاعري مِن قِبل رومر في إيقاعات تعبر عن لحظات الأحساس بالوحدة. ان الأحساس العميق لدى ديلفين وقد تجسد في الشعاعِ المواكب للحظات الغروبِ - وكان أداء رومر هو الأكثر وضوحاً في هذا الفيلم بالقياس الى باقي أفلامِه. إن التشابهات بين الحرير الأخضر والحكاية الخريفية واضحة في عكسِ رومر الرائع للأدوارِ والشخصِيات من خلال المشاهد المصنوعة بعناية في كلا الفيلمين .

ولنعد إلى فيلم حكايةً الخريفً. فكما تتبعنا إيزابيل في لقائِها مَع جيرالد (ألين ليبولت )، الرجل الذي يرد على إعلانَها، واللقاءات الأخرى التالية ، فأن الدوافع بدت متزايدة ولكنها تثير التساؤل. لقد انفقت مزيدا من الوقت مع جيرالد ثم مع ماكالي ،ورغم ان ايزابيل تظهر وكأنها مبعوث قادم من اجل ماكالي فقد كان هنالك احساس كثيف يربط بين إيزابيل وجيرالد كصديقين لاينفصلان بسهولة .تستشعر الشخصيات بهذه الكثافة : ايزابيل شبه ثملة وفي حالة استرخاء وتعبر عن رغبتها في ان تكون مرغوبا فيها بينما يرتعش جيرالد قليلا وهو بالقرب منها ولقد بدا قلق إيزابيل في اللقطة الأخيرة وتأكيد عدم ركونها للراحة وهي تتساءل "انى لرومر استكشاف كل هذا بتلك البراعة؟" .

وتبدو روزين مثل نموذج مثالي عند رومر مثل كائن يافع ، جذاب الشكل ، يتسم بالبراءة ، لبقة ومهذارة في الحديث عن علاقات الحب ، وهاهي تنذر صديقها معلمِ الفلسفة السابقِ ، بأنّهم سَيرون بعضهم البعض بشكل مؤقت وحتى يعثر هو على إمرأةً أخرى وبعد هذا سيكونون مجرد أصدقاءَ. لقد كان ذلك الفعل الذي يعكس نزعات إيزابيل في موقفِها المقلقِ نحو الحب والرغبة .


This page is powered by Blogger. Isn't yours?

Subscribe to Posts [Atom]