عين على غزة ومذابح اطفالها وابريائها
هل العالم بلا ضمير
اتراه بلا ذاكرة
اتراه بلا وعي ؟؟؟
والا اينه من هذه الوحشية والبربرية على ارض غزة
تنشغلون بتكديس الثروات وسباقات الهجن واستقبال مادونا
وانقاذ سيتي بنك وغيره من الأفلاس
ثم تخادعون الكل باللعب بكلام الله
انكم تأمرون بالمعروف وتنهون علن المنكر
والمنكر ثوبكم وزادكم وزوادتكم
المجد لأطفال غزة وشهدائها وجرحاها وابريائها وثكالاها وايتامها
.....................................................................................................................................
"ملح هذا البحر"..تراجيديا الوعي الفلسطيني في تألقه وتحولاته

كعادتي في آخر كل عام ..اشاهد فيلما اختتم به مشاهدة عشرات الأفلام ..وهاانني اعرض لهذا الفيلم المتميز انسانيا وجماليا ومعالجة وموضوعا ,....
مما لاشك فيه ان هذا الفيلم الذي مازال يتنقل في الصالات الأوربية وشارك في مهرجان كان ضمن تظاهرة نظرة ما ،هو من الأفلام المتميزة حقا ..وينقل صورة متوازنة وموضوعية عن جانب صغيرمن الحياة الفلسطينية آخذين بنظر الأعتبار انه لم يقل كل مايتمنى الكثيرون ان يقال في شأن القضية الفلسطينية ولكنه ليس برنامجا تلفزيونيا على اية حال ولامقالة صحافية بل هو فيلم سينمائي ذا تكاليف ومن انتاج غربي
................

مابينك والبحر الف حكاية وحكاية ..جكاية اجيال نحتت في صخر وجودها باحثة عن خلاص ..عن بديل ..ففلسطين والبحر صنوان ، تتجاوران وتحكيان قصة امواج من الأحزان والخراب ..لكن ان يأتي يوم ينتصب في الجدار الفاصل بين الناس والناس بين الذاكرة والأمل ولايستطيع فلسطيني ان يقطع بضعة مئات من الأمتار كي يرى البحر وعرائس البحر ، المدن البحرية كيافا وحيفا وغيرها فذلك ماكان خارج التوقع والممكن
ولعلها تجربة اخرى ، بعيدة عن الضجيج والبيانات والخطابات تقدم عليها المخرجة من اصل فلسطيني آن ماري جاسر والمقيمة في الولايات المتحدة من خلال فيلمها ملح هذا البحر ..وهو الفيلم الذي يعرض حاليا في الصالات الأوربية وعرض في مهرجان سينما المتوسط الذي اقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل مؤخرا وحضي باهتمام ملحوظ .

رحلة ثريا بين الأرض والأحتلال

يبدأ الفيلم بلقطات وثائقية لعمليات جرف بيوت وتحطيم ممتلكات الفلسطينيين ابان حقب خلت من عمر الأحتلال الصهيوني لأرض فلسطين .ثم لقطات للبحر ثم نتابع بعدها لحظات دخول (ثريا ) الفلسطينية الأصل الأمريكية الجنسية (الممثلة سهير حماد) التي تقرر القدوم من مكان اقامتها في بروكلين لزيارة الأماكن التي هاجرت منها وعاش فيها اباؤها واجدادها وبما فيها مدينة يافا .
ونتابع مع بداية رحلتها الطويلة مراحل التفتيش والتدقيق في هويتها والتحقيق معها وتكرار اسئلة مملة وطويلة من قبيل لماذا جاءت ؟ واي جواز آخر تحملين ومن تهدفين ان تزوري وتجيب على اسئلة محققين عديدين بكل هدوء و عفوية وتجادلهم في انها من هنا وجذورها هنا .
ثم تأتي صديقتها لتقلها بسيارتها وتبقى معها مدة من الزمن لكن هدفها الكبير هو ان تكون في يافا ملاعب الصبا . وخلال ذلك تقرر ان تذهب الى البنك حيث اودع جدها مالا في الماضي وتسعى هي لأسترجاعه ..ولكن مدير البنك يخبرها ان ماكان قبل الأحتلال في 1948 انتهى ولم يعد لديها مال او لأسرتها مادامت قبل ذلك التاريخ .
وتزور اصدقاء لها وتشاركهم وجبة طعام يصادف ان يحضرها مدير المصرف نفسه وهي تجادل لماذا كل هؤلاء المترفين يكنزون الأموال والآخرين لايملكون شيئا .
وبالصدفة تشاهد عماد العامل في المطعم (الممثل صالح بكري ) وهو يركب سيارة قديمة فتنظم اليه ويذهب بها ليعرفها بأسرته التي ترحب بها .
وتقرر ان تعمل في المطعم الى جانب ( عماد) ..وبالفعل تبدأ بذلك الا انها سرعان ماتختلف هي وعماد مع صاحب المطعم والذي لايدفع اجورهما ثم يقرر طردهما بسبب الملاسنة معه .
وتتعرف على مروان صديق عماد(الممثل رياض عديس) الذي يحلم بالتصوير السينمائي واخراج الأفلام بكاميرته البسيطة ..ثم تقترح عليهما اخيرا ان يقوموا بسرقة بنك من البنوك وبالسلاح ولكن دون اطلاق طلقة واحدة ويؤيدها عماد ويسطون على احد البنوك بعد ان تتنقب وترتدي الزي الأسلامي لاتبرز منه سوى عينيها ، واما عماد فيرتدي الكوفية الفلسطينية التقليدية لاتبدو منها سوى عينيه ويبتزان موظفي البنك ويهددانهم وتطالب هي بنفس المبلغ الذي يفترض ان جدها قد اودعه في ذلك البنك قبيل 1948 بينما يكون مروان بانتظارهم في السيارة العتيقة.
وتنجح الخطة وعندها يقررون الذهاب الى يافا برغم الحواجز الأسرائيلية حيث يعتمران الطاقية الأسرائيلية ويعبران الحواجز بعد ان تخدع الشرطة بهم على انهم من اليهود وبسبب الطاقيات التي يعتمرونها .
ويدخلون حيفا وتستطيع ثريا ان تصل الى منزل جدها الذي تسكنه الآن سيدة اسرائيلية من دعاة السلام ولكن اصرار ثريا على استرجاع حقها في منزلها وسخطها من احتلال تلك المرأة لمنزل العائلة يدفع المرأة الأسرائيلية الى طردها ..بينما تحتفظ تلك المرأة بمروان الذي يقرر البقاء والعيش معها.
ولايجد عماد وثريا بدا من السكنى في منزل مهجور يهيئانه لنفسيهما مضطرين اذ لابديل امامهما سوى ذلك المكان وتكون تلك المعاناة القاسية سببا لأقترابهما من بعضهما والحلم بحياة تجمعهما معا ..ولكن مجرد ذهاب ثريا الى دكان قريب يكون كافيا لأن تأتي دورية الشرطة مطالبة بأوراق عماد حيث ليس معه اية اوراق ولهذا تكون نهايته ان يلقى القبض عليه وعلى ثريا .



الشخصيات وتحولاتها

يقدم الفيلم شخصيتي ثريا القادمة من بروكلن وهي المهيأة نفسيا للواقع الذي ستراه ومن الممكن ان تراه ولكن دون ان تتوقعه، ولهذا ستكون في مواجهة بلاد لاتفرق بين فلسطيني يحمل جوازا اوربيا او امريكيا وفلسطيني تحوم حوله الشبهات ..الكل واحد ، فمادام فلسطينيا فهو مشكوك فيه وهو مايقع لثريا في مرورها بحواجز عدد من المحققين قبل ان يؤذن لها بدخول الأرض المحتلة .
ويقدم الفيلم سلسلة من المحققين كل منهم على درجة عالية من التميز في الأداء ..واما ثريا التي يجري استفزازها في كل مرحلة من مراحل التفتيش والتقصي حولها فأنها تقدم صورة رفيعة للأداء المتوازن ، فهي تجمع بين سيطرتها التامة على ردود افعالها وكل حركة وسكنة منها وبين قدرتها على النفاذ وسط ذلك العالم ذو القبضة الحديدية من اجهزة الأمن التي تفرض سيطرة تامة على كل شيء وقد حولت حياة الفلسطينيين الى جحيم حقيقي .
ولكن ماذا تريد ثريا وماذا يريد عماد ؟ انهما لايطالبان بمعجزات ولا خوارق وليست لديهما طموحات ضخمة ، انها مطالب اكثر من عادية وطبيعية يمكن ان يطالب بها أي انسان ، ان يعيش عماد بسلام حاصلا على قوت يومه ، لكنه لايحصل على ذلك وليس امامه فسحة من الأمل في المستقبل ، فحياته معاناة طويلة وبلا جدوى ، ولهذا يحلم بالهجرة الى كندا او السفر الى هناك لغرض الدراسة ، لكن ذلك الحلم لن يتحقق ايضا .
واما ثريا التي تتمتع بجمال انساني غريب ، وملامح انثوية وديعة ومسالمة فهي الأخرى تشعر ان احلامها البسيطة لاتتحقق ان تشعر ان هذه البلاد التي جاءت منها تحمل لها شيئا من الوفاء ولاتتنكر لها ، لكنها لاتجد امامها سزى الحواجز والجحيم اليومي والتنكر لأنتمائها للزمان والمكان .
لكن كلا منهما : أي ثريا وعماد يعبران بأنسانية وعذوبة عما يجيش في خواطرهما فهما ليسا عدوانيين ولا يبدلان الغطرسة الأسرائلية بمثلها بل انهما يحاججان بهدوء وصبر ولكن النتيجة واحدة وتنتهي بألقاء القبض على عماد من لدن الشرطة لأنه لايحمل اوراقا رسمية .

البناء السردي

فضلا عن الأداء يمكن القول ان الفيلم قد تميز في جوانب عدة منها السيناريو والبنية السردية للفيلم ، فقد اوجد الفيلم موازنة مووضعية مابين شخصياته وطموحاتها وتحولاتها وكشف من وجهات نظر وزوايا متعددة حقيقة اساسية تتمثل في الأحتلال ، اذ توازنت في هذا وجهات نظر ثريا القادمة من امريكا مع عماد المكتوي في كل يوم بنيران الأحتلال .
مع انه من الملفت للنظر مناقشة ظاهرة تحول شخصين مسالمين كثريا وعماد الى شبه ارهابيين فالأولى ترتدي النقاب وتتلفع بالملابس السوداء والثاني يتلثم كما هم مقاتلوا الحركات الفدائية ..اذان هذا التحول يضع علامات استفهام حقا ومنها : هل ان سلطات الأحتلال من الغباء بحيث ينفذ من قبضتها اشخاص يسطون على بنك وكل ماهنالك انهم يرتدون قلنسوة اسرائيلية وهذا وحده كاف لعبورهما ؟
يضاف الى هذا تحول قضيتهما الكبيرة في التعبير عن معاناة شعب بكامله الى مغامرة صغيرة بدخول اسرائيل والوصول الى حيفا ثم وقوعهما في قبضة السلطات ..
لكن هذا وغيره طغت عليه مسحة انسانية عميقة ومؤثرة تجعل أي مشاهد لايملك الا ان يتعاطف مع عماد وثريا ..
.....................
الفيلم : ملح هذا البحر
سيناريو واخراج: آن ماري جاسر
تمثيل : سهير حماد (ثريا) ، صالح بكري(عماد) ، رياض عديس (مروان)
تصوير: بينوا شاميلار
مونتاج: ميشيل اوبينون
2008


عيد مبارك ..وكل عام وانتم بخير
مع حزني ومواساتي لكل عوائل الضحايا- وبالأخص الأمهات والزوجات والأبناء - الذين لايستطيعون تذوق فرحة العيد ويفتتحون فجر العيد بالبكاء على الأحبة في المقابر اسأل الله ان يثبت قلوبهم ويلهمهم الصبر





FESTIVAL INTERNATIONAL du FILM INDEPENDENT 2008


فيلم " ليلة البيبي دول" يتوج في مهرجان السينما المستقلة ببروكسل :

هل تنجح السينما في ايجاد حلول لأزمات العرب المستعصية ؟

د.طاهر علوان


ربما كان من المفيد ونحن نقرأ واقعنا العربي ومعضلاته المزمنة ان نوجه انظارنا صوب الأبداع في الفنون وكيف انعكس ذلك الواقع في ذلك الأبداع وخاصة في السينما ..وتلك مسألة مفصلية اساسة لابد من تأشيرها بسبب شمولية السينما وقربها من مساحات عريضة من الجمهور وقدرتها على قراءة الواقع قراءة موازية وعميقة .
لكن هذه الفرضيات كلها ستصدم سريعا بما نحن فيه من حال .. فتراجع السينما العربية انتاجا وتوزيعا وموضوعات لايخفى على احد ولهذا كانت الأفلام العربية القليلة التي يتم انتاجها سنويا مطالبة بقول الكثير مما لم تقله افلام عربية كثيرة كان ينبغي انتاجها لكنها لم تنتج ابدا وبقيت مجرد احلام تتراقص في مخيلات السينمائيين وجمهور المشاهدين على السواء .
من هذا انطلق في قراءة فيلم ليلة البيبي دول الذي شارك مؤخرا في المهرجان الدولي للسينما المستقلة في دورته الرابعة والثلاثين التي اقيمت في بروكسل ونال جائزة افضل سيناريو .
جاء الفيلم في اطار اهتمام وتكريس متميز من المهرجان ..من جهة دعوة ابرز نجوم الفيلم ، المخرج عادل اديب والممثل نور الشريف والمنتج ..هذا فضلا عن حضور كثيف وملحوظ للجاليات العربية وخاصة المصرية حيث اكتظت بهم صالة السينما مع استضافة نجوم الفيلم وترحيب حار بهم قبل العرض وبعده ..
اذا ..هي احتفالية كبيرة بالبيبي دول ، الفيلم وطاقمه ربما لم يحظ به في مهرجانات عربية ..!
المهم ..ان الجمهور العريض كان ازاء وجه آخر للسينما العربية والمصرية خاصة وهي تتصدى لقضايا حساسة تشغل العقل العربي والغربي على السواء بل وتشغل البشرية جمعاء في يومنا هذا مثل قضايا الأرهاب واحتلال العراق والقضية الفلسطينية وصورة الأنسان العربي وحياته اليومية ودور السلطة وصورتها ممثلة في اجهزة الأمن التي تكتم على انفاس الحريات وتستأصل الأمل من اجل استمرار الحال السلطوي الى امد غير محدود ..

محاور اساسية ومقتربات حساسة

يحكي الفيلم قصة تتعلق بأحداث تقع خلال العام 2007 وبضعة سنوات قبله لكنه ينطلق من واقعة الحادي عشر من سبتمبر ايلول التي يعيش فصولها ( حسام – الممثل محمود عبد العزيز)، الذي يعمل مرشدا سياحيا ويصادف وجوده في الولايات المتحدة مع وقوع الحدث ، وبينما تنشغل الناس بتلك الواقعة واصدائها ينشغل حسام بالأستعداد للعودة الى مصر بعد غيبة عام كامل وبصحبة وفد امريكي وسنعرف فيما بعد ان سبب بقاء حسام في امريكا لعام كامل كان للعلاج من العقم ، ولهذا يقدم حسام مشاهد كوميدية وهو يشتري هدية لزوجته وهي قميص نوم – بيبي دول – وفي طائرة العودة سنتعرف على ليلى علوي وهي يهودية امريكية تترأس جمعية للحوار والسلام وجاءت لحظور مؤتمر في القاهرة . الحوار معها يكشف اتقانها العربية ومعرفتها بالواقع العربي خلال ذلك وبعد وصول الوفد الى المطار يكون هم حسام الأول هو ملاقاة زوجته حالما بشهر عسل جديد معها ، فيما تجري في المطار تحوطات استقبال الوفد الأمريكي ويكون الأرهابي عوضين الأسيوطي (نور الشريف) مراقبا كل شيء عن كثب ومستعدا لتفجير الفندق الذي يقيم فيه الوفد وهو يصحب سائق سيارة الأجرة (شكري )الممثل السوري جمال اسماعيل الذي يشاركه نزعاته الثورية ولكنه يخالفه في استهداف الأبرياء ، والصدفة وحدها تجعل حسام ان يلتقي بسائق سيارة الأجرة هذا ويتعرف من خلاله على مسيرة عوضين الأسيوطي اذ سنعرف ان سائق سيارة الأجرة كان قد اعتقل بتهم سياسية ايام كان طالبا جامعيا وكان عليه ان يختار تهمة واحدة من اثنتين تختصر في كلمتين هما : هل انت ( اخ) ام ( رفيق) ، أي هل انت من الأخوان المسلمين ام من الشيوعيين ؟ ولأنه ليس من الأثنين فأنه يجبر بالضرب على ان يختار احدهما والأسيوطي هو الذي سيخلصه من كثير من المشكلات في السجن والأسيوطي ايضا ذا وجه آخر فهو علاوة على نضاله الطلابي واعتقاله فأنه احد العائدين من افغانستان والمطلوبين للعدالة.وهو ايضا سافر للعراق مساندا ( مقاومة ) الأحتلال بينما صديقته المراسلة الصحافية يلتقي بها في بغداد بعد سنين وهي تغطي الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط وهي اختارت تلك المهنة : مهنة المصاعب تخلصا من حب قديم ربطهما ؟ واما صديقته الأخرى الناشطة اليهودية من اجل السلام فتسحقها دبابة اسرائيلية وسط الأحتجاجات وهو يعتقل في ابو غريب ويعذب ويعتدى عليه جنسيا واما حسام فهمه ترتيب ليلة لقاء حميمة مع زوجته سميحة (الممثلة السورية سولاف فواخرجي) دونما جدوى .

مسار الشخصيات وتحولاتها

يكتظ الفيلم بالعديد من الشخصيات التي يعيش كل منها ازماته ومشكلاته الخاصة ابتداءا من القاع حيث السائق زغلول ( الممثل احمد مكي ) الذي يتعاطى المخدرات هربا من واقعه وهو خلال ذلك يطرب لأغنية شعبية شائعة للمطرب شعبولا : انا اكره اسرائيل ، وهو يكررها مرارا وهكذا تصبح قضية فلسطين والأسرائيليين واحتلال العراق وامريكا والمساعدات الأمريكية لمصر ، تصبح كلها محور احاديث متشعبة وطويلة تارة بين السائق والأرهابي الأسيوطي وبين حسام وصديقه السائق وبين حسام والمسؤولة الأمريكية وبين حسام وخاله الثري عزمي (الممثل عزت ابو عوف ) الذي يسعى لتمرير صفقات تجارية مع الوفد الأمريكي الذي يكون احد اعضائه جنرالا امريكيا متداعيا كان المسؤول عن التعذيب في سجن ابو غريب هو الجنرال بيتر (الممثل جميل راتب ) وتشاء الصدف ان يكون حاضرا في الوفد .ويتحول الحديث عن هذه القضايا اليومية والأساسية التي ينشغل بها العرب والعالم الى شكل من المحاضرات المطولة والسجالات التي تدين اسرائيل لماتفعله بحق الفلسطينيين وتدين خاصة بوش لقراراته بخوض الحرب وان الأرهاب في العالم ماهو الا رد فعل لما تقترفه امريكا واسرائيل ..هذه هي الرسالة التي يريد الفيلم ايصالها ولكن وسط كم كبير من الحوارات المطولة التي تحتاج الى كثير من التشذيب والتكثيف وترك الصورة لتتكلم بدل تلك الحوارات الطويلة .

المزيج بين الكوميديا والتصعيد الدراماتيكي

نجح المخرج وكاتب السيناريو الى حد كبير في الموازنة مابين ذلك الثقل في التصعيد الدرامي وحوارات الشخصيات الطويلة وبين المشاهد الكوميدية ومحاولات حسام اللقاء والأنفراد بزوجته عازفة الجلو حيث باعت شقتها قبل وصول زوجها وسكنت مع صديقة لها ولهذا صار همهما هو اللقاء والأختلاء لليلة واحدة قبيل العودة الى الولايات المتحدة ، لكن كل الظروف المحيطة بهما تقف ضدهما سواء في الفندق الذي يفترض ان يسكن فيه حسام او في استعارة شقة صديقة الزوجة وصولا الى شقة صديق حسام السائق الذي يقتله الأرهابي الأسيوطي لشكه في الأبلاغ عنه .
وخلال ذلك تصبح شخصية حسام هي الموازن الموضوعي للأحداث الدراماتيكية المأساوية التي يعج بها الفيلم من مشاهد الحرب والقتل والتعذيب ..اذ كانت اطلالته مقترنة بتحول في مسار الدراما كما انه ينجح الى حد كبير في اجتذاب المشاهد لأداءه وكل همه هو لقاء زوجته كي ينجبوا اولادا تتخيل الزوجة سحناتهم وملامحهم ولون شعرهم وعيونهم ..اما حسام القادم من امريكا فقد ضاعت حقيبته التي فيها هديته لزوجته وهي قميص النوم بيبي دول الشهير وبينما يبحث حسام عن حقيبته وفيها البيبي دول فأن الأرهابي الأسيوطي يبحث في المقابل عن الريموت كونترول الذي يزمع استخدامه لتفجير الفندق وتجري كل تلك المجريات على خلفية حدثين هما زواج احد العاملين مع حسام في السياحة في تلك الليلة واحتفال الجميع بليلة عيد الميلاد بقدوم العام الجديد .

صورة احتلال العراق

يحضر المشهد العراقي بشكل واسع في هذا الفيلم وخاصة فيما يتعلق بأصداء الأحتلال ومخلفاته لكن ليس عن بعد بل يعمد الفيلم الى تقديم صورة عن قرب من خلال سفر الأسيوطي ، صاحب التاريخ السابق في افغانستان للألتحاق بمن هم ضد الأحتلال ، لكنه بدل ان يكون قريبا من الواقع العراقي حقيقة فأنه يمارس مقاومته من احد فنادق الخمسة نجوم في بغداد والتي يقيم فيها الصحافيون عادة ولهذا تقع المصادفة في لقاءه بفتاة كان قد فارقها لسنوات ويجدها تعمل مراسلة صحافية في الأماكن الساخنة من العالم من فلسطين الى العراق الى افغانستان الى جنوب لبنان معرضة نفسها الى الخطر لا لشيء الا لغرض ان تنسى قصة حبها مع الأسيوطي ..!
في كل حال يلتقي الأسيوطي مصادفة ايضا مع الجنرال الأمريكي المسؤول عن سجن ابو غريب ولايمر وقت طويل حتى يحل الأسيوطي نفسه ضيفا على ذلك السجن . ولعل واحدة من العلامات الفارقة في الفيلم هي قيام المخرج باستنساخ احوال سجن ابو غريب الرهيب حيث يجري تعذيب الأسيوطي بشتى صنوف العذاب من الصعق الكهربائي الى نهش الكلاب الى الأغتصاب وانتهاءا بقطع عضوه الذكري ولهذا تنشأ في نفس الأسيوطي نزعة الأنتقام .
واذا كنا بصدد الحديث عن صورة العراق في الفيلم فأن ما يسجل على الفيلم التقصير في الأستعانة بشخصية عراقية او اكثر في الفيلم ولهذا بدا مشهدا ممجوجا وركيكا ذاك الذي قدم محاولة موظف الفندق الكلام باللهجة العراقية دون جدوى وحيث لم يوفق في ذلك .
وتكرر الأمر ولكن بشكل اضعف وذلك في مشهد ركوب الأسيوطي سيارة الأجرة الى جانب سائقه العراقي المفترض ( الممثل محمود الجندي ) الذي يحدثه عن العراق واحواله وذلك في بيئة تتساقط فيها الثلوج ولا ادري اين مكان تلك البيئة اهي في شمال العراق مثلا ؟ المهم ان السائق بلهجته التي هي خليط من لهجة الصعايدة والخليجيين والشوام وبضع مفردات عراقية ركيكة ، يسعى الى نقل صورة الواقع العراقي الذي لايختلف كثيرا عما تنقله الفضائيات المحرضة على الكراهية والعنف الطائفي ولهذا تتكرر لازمة احوال العراق قبل الرئيس المخلوع وبعده لدرجة ان ذلك السائق يقرر ان الحال كان افضل مما كان عليه الآن ويردد القصص نفسها المسموعة عبر الفضائيات من الصورة النمطية للعراقيين .




قصص متعددة في فيلم واحد

يبدو ان صانعي الفيلم ارادو قول كل شيء ومناقشة اغلب القضايا الراهنة من خلال هذا الفيلم ..اذ لو تمت مناقشة كل قضية على حدة لكانت هنالك حاجة لأكثر من فيلم واحد بسبب تعدد الأفكار التي حملها الفيلم والتي عجز احيانا عن نقلها بالصورة ولهذا كان البديل الأسهل هو الحوارات ثم الحوارات : حوارات مطولة مسهبة مترهلة تكرر مايسمعه ويعيشه المواطن العربي من مشكلات مزمنة وبعضها كان اقرب الى الخطب منه الى لغة الحوار السينمائي الذي يحتاج الى لغة مكثفة موجزة ودالة ولهذا كان بالأمكان اختصار كثير جدا من الحوارات .
لقد كان من صالح الفيلم لو تم اختصار الأفكار العديدة التي ناقشها اذ بدا امرا غريبا ان كلما ذكر اسم بلاد فيها ازمات ان تذهب الى هناك الا اذا كانت هنالك ضرورة درامية لذلك ..والا ما جدوى نقل مشهد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر التي ظهرت في الفيلم من وجهة نظر حسام وما هو الفرق فيما لو سمع عنها او شاهدها على شاشات التلفزيون ؟ والمسألة الأخرى الغريبة : هي انه بمجرد ان تذكرت تلك السيدة الأمريكية اليهودية ابادة جدتها وجدها في معسكرات الأعتقال النازية فقد تم مباشرة الأنتقال الى هناك ..رغم انه لابد من الأشارة بكل اخلاص ان مشاهد المعتقلات النازية كانت من اجمل المشاهد في الفيلم في بنائها وفي الشخصيات والأجواء لكن لم يكن هنالك من رابط قوي بينها وبين مجريات الفيلم اذ لايعقل ان كلما مر بأحدى الشخصيات ذكرى يتم نقل تفاصيلها وكذلك الحال في مشهد التظاهرات المؤيدة للسلام ضد الجيش الأسرائيلي والتي انتهت بفاجعة سحق صديقة عوضين الأسيوطي تحت عجلات دبابة اسرائيلية .
واستمرارا للترهل وتعبيرا عنه حصل ذلك الأنتقال الغريب والتحول المفاجئ في شخصية حسام الذي كان في اول حواراته مع صديقه سائق سيارة الأجرة بعيدا تماما عن السياسة ، حذرا في اجاباته واذا به يتحول فجأة الى ثرثار كبير في السياسة ومتشدد جدا في آرائه ودون ان يكون لذلك التحول من سبب ملموس او دافع حقيقي .

جماليات التصوير والأضاءة والموسيقى

مما لاشك فيه ان التصوير احتل مرتبة مهمة من ناحية الكفاءة والجودة اذا ابدع مدير التصوير الأنكليزي( هوج مانلي) في نقل مشاهد الفيلم بطريقة متميزة عبرت عن اجواء محتقنة تارة واجواء كوميدية تارة اخرى ومابين النقيضين كان مدير التصوير متمكنا في ملاحقة الشخصيات وتتبع افعالها بطريقة متقنة ومبدعة وكذلك الحال في استخدام الأضاءة وحركة الكاميرا .
وبدا الجهد الكبير ايضا في المونتاج (مونتاج منى ربيع ) وذلك بسبب كثرة التفاصيل وكثرة الأنتقالات المكانية من بلد الى آخر ولهذا كانت مهمة المونتير ليست بالسهلة على الأطلاق اذ ان المخرج في كل هذه الأنتقالات السريعة والمتلاحقة قد اضاف الى كاهل المونتير اعباءا اضافية نجح في حلها بنجاح .
وينطبق الأمر على الموسيقى التصويرية اذ اجاد ياسر عبد الرحمن في استخدام الموسيقى وزجها في صميم حركة الفيلم كما انه وازن بين طبيعة الموسيقى المستخدمة بحسب البلد الذي تجري فيه الأحداث.



مهرجان السينما الأوربية في بروكسل

الأزمات الأجتماعية ومشاكل المراهقين تستحوذ على الشاشات

اقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل مؤخرا احد اكبر واهم المهرجانات السينمائية لبلدان المجموعة الأوربية ، هذا المهرجان الذي تم الأعداد له جيدا منذ زمن وحضي برعاية كبيرة من المؤسسات الأوربية المعنية بالثقافة والسينما كما اختير احد اجمل مواقع العاصمة بروكسل وهو صالات السينما الحديثة ( فلاجيه ) وحيث تم افتتاح الساحة الضخمة التي حملت الأسم نفسه في يوم اختتام المهرجان وسط حظور حاشد من السينمائيين وعشاق فن الفيلم .
وعلى مدى عشرة ايام متواصلة تواصل عروض الأفلام الروائية الأوربية الحديثة القادمة من الجهات الأربع للقارة من مختلف بلدانها ولغاتها .
المهرجان اتاح فرصة كبيرة لتلك العروض الحافلة وذلك بتخصيص جوائز مهمة للأفلام المتميزة حيث خصصت جوائز لأحسن فيلم واحسن تمثيل وجائزة الجمهور وجائزة القناة التلفزيونيةRTBF لأحسن فيلم وجائزة القناة التلفزيونية CANVAS لأحسن فيلم ايضا وجائزة القناة التلفزيونية بي البلجيكية وجائزة مؤسسة TELENET وجائزة افضل قصة وسيناريو .
وقد تألفت لجنة التحكيم من كل من السينمائيين :برونو ميرل ( فرنسا )، بيتر وينهام ( بريطانيا ) ، انيتا لينسنيكوفسكا ( مقدونيا ) ، رودي روزنبرك ( فرنسا ) ، ماري فنك ( بلجيكا ) ، ماثيو دوناك ( بلجيكا ).

ميلودراما لبنانية في فيلم الأفتتاح

انه الفيلم اللبناني من انتاج فرنسي الذي حمل عنوانين هما : ( اغنية في الرأس او ميلودراما حبيبي ) من اخراج اللبناني الفرنكوفوني هاني طمبا ، هذا الفيلم يحكي جانبا من حياة اسرة تتحدث اللغة الفرنسية وهي اسرة السيد حرفوش الأرستقراطية ، وفيها الزوجة معجبة اشد الأعجاب بأحد المغنين الفرنسيين مذ كانت شابة وطالما تستمع الى اسطواناته .
وخلال ذلك تتضح صورة بيروت قبيل نشوب الحرب ولكن اية حرب لاندري اهي الحرب الأهلية ام الأجتياح الأسرائيلي ام الحرب الأخيرة مع اسرائيل ؟ المهم ان حياة تسير ببساطة وهدوء حيث هنالك الشابة التي تعمل في مجال تجميل النساء( الممثلة بيريت قطريب) وتقدم خدماتها في بيوتهن ومنهن السيدة حرفوش هذه وخلال مشاركتهما الأستماع للمغني تنخرط الفتاة في بكاء مر بسبب تذكرها والدها الذي قضى في الحرب وخلال ذلك يجري التذكير في الفيلم بأن جميع الشخصيات في الفيلم ينتمون للطائفة المسيحية في لبنان من خلال ابراز الرموز الدينية للسيد المسيح والسيدة العذراء عليهما السلام .
ويغلف الفيلم بقالب كوميدي من خلال علاقة عائلة حرفوش بسائق الأسرة غريب الأطوار حيث انه يتبادل مع السيد حرفوش التعليقات والنكات .
ومايلبث الأمر ان يتطور الى اختطاف السيدة حرفوش وهي في داخل سيارتها المرسيدس بأنتظار السائق دون ان يشكل ذلك تحولا كبيرا في مسار الفيلم ولايشكل صدمة لأحد بقدر حنين السائق لسيارته المرسيدس ليس الا .
وهنا يجري استقدام المغني الفرنسي ( برونو كابريس) هذا المغني الذي نشهد جانبا من حياته وهو في فرنسا فهو انسان محبط في العمل وعلاقاته مع الآخرين وكذلك في الغناء الذي عرف به اذ يظهر في احد المشاهد وهو في مشادة مع زميلة له في العمل يحاول خطب ودها ويظهر في مشهد آخر وهو يحطم الجيتار بعد رفضه العزف لأصدقائه ولهذا وربما خروجا من ازمته يقرر السفر الى بيروت استجابة لدعوة اسرة حرفوش الثرية .
ويجري استقباله من لدن السائق الطريف بطريقة كوميدية ايضا ثم تنظم له زيارة استطلاعية لمصانع حرفوش للكاكاو والقهوة ولا يتردد السائق من اطلاق الرصاص على دجاجة وجدت في مخازن الشركة بالصدفة .
وتتم دعوة المغني الى حفل يقام على شرفه وتدعى اليه العائلات الثرية لكن المغني الموعود اذ ينتظره الناس كي يتحفهم بغنائه الا انه يكون في وضع مزر اذ لايقوى على الغناء وهو شبه ثمل فيلقي بنفسه في بركة الفندق وسط استغراب الجمهور وصيحات المشجعين والساخرين ، خلال هذا تكون تلك الفتاة المتخصصة في التجميل تشهد نقل الحفل المزعوم على شاشات التلفزة فتذهل لماتشاهده .
يبقى ان اشير الى المشهد الأخير من الفيلم الذي هو من اغرب مافي الفيلم على الأطلاق اذ كان مشهدا مصطنعا وملصوقا بالفيلم بشكل لايقبل الشك ، اذ تقف اسرة حرفوش باسمة ودون ان يرف لها جفن وسط الحرائق ويبدون انهم في وسط ساحة معركة اذ يتنقل جنود مدججون بالسلاح وتمر عربات عسكرية بين تقف سيارة التاكسي وسط دخان هذه الحرب تنتظر السيد المغني لغرض ان يعود الى بلده .

فيلم اصلاح – صورة الأقليات في اليونان

المشاركة اليونانية في المهرجان جاءت ملفتة للنظر من خلال هذا الفيلم (اخراج تانوس اناستوبولس ) الذي يلامس قضية حساسة وانسانية طالما ناقشتها السينما ، وهي قضية الأقليات في اوربا والتي تشكل لوحدها ظاهرة اجتماعية وسياسية في آن معا . تدور احداث هذا الفيلم حول شخص يطلق سراحه من السجن ويبدأ الفيلم من لحظة خروجه ، يتأمل الشوارع ، الأسواق ، الناس ، اماكن المهاجرين ثم قسم الخدمة الأجتماعية الذي يساعد الخارجين من السجن على تدبير حياتهم الجديدة وخلال ذلك يجري تدوين المعلومات عن السجين لكنه يرفض الأفصاح او الأجابة عن نقطة واحدة فقط وهي فيما اذا كان متزوجا ام لا .
ثم نتابعه وهو يقصد مدرسة البنات لتأمل ابنته الصغيرة وهي تمارس العابها الرياضية ثم يتبعها هي والأم ، الزوجة السابقة هي من الأقلية الألبانية ، يتعرف على محل عملها ثم تكون الأم والأبنة في طريقهما الى المنزل عندما تعترضهما الشرطة مطالبة بأبراز البطاقة الشخصية فيتدخل هو لأنقاذهما من الموقف ومن استجواب الشرطة وبعد ان يخرجهما من الموقف يكون رد فعل المرأة شديدا ضده اذ ترفضه وتتركه وتمضي وخلال ذلك تلتقيه عصابة من المتطرفين وتحييه على مافعله عندما ساهم في قتل احد المهاجرين الألبان بعد مباراة لكرة القدم ويعطونه بعض المال ثم ينتقل للعمل في نفس محل عمل الزوجة دون ان ينجح في اللقاء بها بل انها ترفضه بشدة .
تجري الأحداث على خلفية الدوافع العنصرية لدى بعض من المتطرفين اليونانيين ضد الأقلية الألبانية المهاجرة ذلك ان العصابة عندما تلتقي هذا الرجل الخارج من السجن توا تعطيه بعض المال وتحيي موقفه في قتل الألباني وتطالبه باعتباره بطلا ان يواصل مابدأه لكنه يرفض ويضطر الى افتراش الرصيف وفي ركن مقابل لشقة الزوجة والأبنة يراقبهما حتى تكتشف الزوجة ذلك وتشاهده وهو يفترش الرصيف فتتعاطف معه . يجري كل ذلك على خلفية تصاعد المشاعر الوطنية لليونانيين : مباريات كرة القدم ضد البانيا وضد تركيا خاصة ، المسيرات الطلابية ذات الطابع العسكري لتحشيد المشاعر الوطنية ، مسيرات التشييع لأحد الوطنيين اليونانيين .
تميز الفيلم بانتقالات سلسة وبأقل مايمكن من الحوارات .
وظلت لعبة الأختباء طريفة وممتعة من جهة البطل الباحث عن ذاته وزوجته وابنته .
فيما كانت من المشاهد المؤثرة مشهد العصابة من اليونانيين المتطرفين وهم يسلمونه موبايل وفيه تسجيل لمظاهرة شوفينية تم فيها قتل احد الألبان فيما كان رسم العلم اليوناني والوانه على وجه ذلك الرجل .


قلب النار – صور قاتمة من اريتريا

ومن المانيا عرض فيلم :قلب النار ، اخراج : لوجي فالورني، حيث تقع احداثه في ارتيريا وهي تطحنها الحرب الأهلية مابين فصيلين مسلحين هما الشعبية والجبهة . طفلة في حوالي العاشرة من عمرها يتم ايواؤها من الحرب في احدى الكنائس ثم تعاد لوالدها الذي سرعان مايهديها هي واختها الى الجبهة اي الى المحاربين الذين يريدون تحرير ارتيريا وهنا تجد نفسها وجها لوجه مع الحرب .
في البداية لاتكلف بواجبات حربية بل بغسيل ملابس الجنود ثم يجري تدريبها على السلاح ولكنها تقوم بأفراغ اسلحة زملائها الأولاد اليافعين من الأطلاقات مما يؤدي الى تعريضهم للخطر بسببها فتعاقب عقابا شديدا من جراء ذلك من قبل المرأة التي تشرف على تجنيد الأطفال الصغار واليافعين وزجهم في اتون الحرب الطاحنة والدماء والدمار واالرعب اليومي .
ثم ينقذها شاب محارب هو الآخر يكبرها بأكثر من عشر سنوات وهو وجد نفسه مرغما ان يكون في قلب تلك الدوامة من الدم والقتل والخراب ، ويخبرها ذلك الشاب بأنه قرر الهرب بها هي واصحابها الصغار انقاذا لهم من الحرب والموت باتجاه الحدود مع السودان ولكن مالم يكن في الحسبان هو ان يتعرض المعسكر الذي يتواجد فيه ذلك الشاب مع الأولاد الصغار والفتيات الصغيرات الى هجوم شرس ينتهي بمقل الشاب وهرب المسلحين من زملائه بما فيهم جوقة الأطفال اليافعين والفتاة الصغيرة التي تبكي الشاب وتصرخ منادية من اجل انقاذه دون جدوى في واحد من المشاهد المؤثرة في الفيلم ، لكنها تواصل مسيرتها فيما بعد هاربة من جحيم الحرب باتجاه الحدود السودانية .


المجتمع المجهول على شاشات صماء


ترى هل ان الفيلم هو مجموعة من الصور التي يشترط فيها ان تحافظ على المصداقية والموضوعية في نقلها اوجهاً متنوعة من الحياة وبالتالي الاوجه الاجتماعية؟ وهل الفيلم على اساس بنائه الفني هو عالم مختلف عن ارضه الواقعية؟ وهل ثمة فاصلة بين شخصيات الفيلم وبين انتمائها الحقيقي لمجتمع من المجتمعات؟
اسئلة ستحيلنا الى فهم قرب الفيلم وبعده عن فضائه الاجتماعي ، هذا الموضوع الذي كان ولايزال عنصراً اسياسياً في اية قراءة للفيلم، واقعياً‘ وجدنا ان هنالك تصوراً خاصاً لعالم الفيلم، بانقطاع صانعيه الى عالمهم الذي هم فيه بصرف النظر عما يقدمونه من صور اجتماعية واقعية او غيرواقعية. على هذا كانت هنالك اراء وتنظيرات رفضت اي تحريف او تعريف للقيمة الواقعية للفيلم، وكان المنظر الفرنسي الكبير اندريه بازان في طليعة المنادين بالمصداقية والواقعية، وعلى هذا ايضا كان الفيلم صورة فيها كثير من المصداقية لذلك المجتمع الذي تجرى يه الاحداث والوقائع.
ولهذا ليس مستغرباً ان نقرأ في مقدمة كثير من الافلام عبارة: مأخوذ عن قصة واقعية ، او ان هذه الاحداث حقيقية ووقعت في الزمن الفلاني، وبهذا ظن صانعو هذا الضرب من الافلام انهم بحرصهم على النقل الواقعي يكونون قد وفروا للفيلم حماية من اي شك في صدقيته وان هذا الالتحام بالواقع كفيل بجعل الفيلم في منئى عن اي نقد او اراء تقلل من اهميته .
لكن بموازاة ذلك كانت هنالك إراء اخرى مناقضة لما ذهبنا اليه آنفاً بالكامل، ولا ترى في الفيلم غير صورة( فنية) خالصة لا علاقة وثيقة لها بالواقع بالضرورة .. بل ان قوة الفيلم تكمن في تمرده على الواقع واعادة تقديم الشكل الاجتماعي عبر بناء فني خالص وستقرأ اراء المنظر فان دجيك وفيركلوك في ما يعرف بسوسيولوجيا الفيلم.
كان الرائد الالماني ، المنظر والمفكر الجمالي ارنهايم في طليعة المتحمسين للفرضيات الجمالية التي ترتقي بالفيلم من واقعيته الجامدة حيث تثار جدلية الصور المجردة على الشاشة الصماء التي ستنطق بكائناتها على تلك الشاشة وستتحرك تلك تلك الكائنات القادمة من مجتمعات مجهولة تماما .
واما على صعيد السنيا الهوليودية ونظريها ، فنحن ازاء قراءات موازية لهذا المضمون ، قراءات لن تنفصل عن مجمل الارث الفكري والمعرفي للسينما الامريكية في ارتكازها على (براجماتيه) بيرس وحرية وليم جميس..
الحياة الامريكية على الشاشة هي تمثيل لنزعة الانسان في تأكيد ذاته، بكل ما يتطلبه الوصول الى تأكيد الذات من عنف غير مسبوق يصل في بعض الافلام درجة البشاعة والوحشية.
ربما سنتذكر رواية (فالدن) للروائي والكاتب هنري ثورو والتي كتبها قبل ما يقرب من قرن ونصف (1849) تحديداً، في تلك الرواية هنالك واقع يتخلق بين يدي الفرد، الفرد الذي يبني كوخه على شاطئ بحيرة فالدن في ولاية ماساشوسس، انه لا يبني مسكنه فحسب بل يبني فضاءه الاجتماعي والانساني وحتى العقيدي وخلاصة ذلك ان الانسان حر في التفكير والسلوك، وهذا النوع الذي يندفع فيه الافراد ليكونوا نسقاً اجتماعياً متكاملاً سيعيدنا الى الجدل القائم حول حقيقة النسيج الاجتماعي الذي يقدمه الفيلم، وبالطبع ستحضر افلام مهمة في تاريخ السينما الامريكية ومنها مثلاً فيلم (يوني وكلايد) و(سلسلة العراب) و( المحصنون) واعمال اوليفرستون وسام بكنباه، هذه الافلام تقدم خلاصات اجتماعية يندمج فيها ترسيخ الذات بنزعات المجتمع والتيارات الفاعلة فيه بديناصور الرأسمالية، بالشهوة للجنس والمال والتسلط والسيطرة، نزعة التفوق ومحق الاخر، وعلى هذا سيكون السؤال مرة اخرى واخرى، ترى هل قدمت هذه الافلام نسيجاً اجتماعياً فيه صورة تنطوي على صدقية في تقديم طبائع المجتمع وقوانينه؟
اذا كان هنالك كلام (كبير) حول السياسة المتولدة عن مثل هذا النقاش، فأنها سياسة الساسة وليس سياسة الافراد الذين يظهرون على الشاشات وهم منقطعون عن خطابات الزعماء والرؤساء وشيوخ المجالس التشريعية، القصة مختلفة في طريقة التفكير الذي يذهب اليه البعض، اذ ان الحياة عند هذا البعض كلها سياسة والاصغاء لنشرات الاخبار وتتبع اطوار الساسة في حلهم وترحالهم هو ديدن هذا البعض وبالطبع لكل مجتمع وكل فرد ميوله.
كنت ابحث عن تلك (السياسة) في واحد من اجمل الافلام وهو (امريكان بيوتي) الذي يقدم صورة للنسيج الاجتماعي موضوع البحث: الام المدمنة على الكحول، غريبة الاطوار، الابنة الضائعة بين الام والاب المتصابي، في الجهة المقابلة هنالك منزل يقطنه رجل يعيش على ايام مجده الغابر يوم كان ضابطاً في المارينز وابن مدمن على المخدرات مختص ببيعها وتصوير اي شيء وكل شيء بكاميرته والام المعطلة كلياً فلا هي كائن حي ولاميت، برغم انها تدور وتتجول في المكان، الابن يدخل مصحة لمعالجة الادمان في الرابعة عشرة، الاب يرى ضرورة الانضباط في كل ركن ولهذا فهو الضابط الذي عليه انزال العقاب بالابن ساعة يشاء.. بناء اسري ممزق بالكامل وافراد غارقون في الانانية ، منعزلون عن بعضهم، كان الابن يراقب بكاميرته حركة كيس فارغ تعصف به الريح، ويتأمل صعوده وهبوطه مردداً: لقد ادركت الان كم من الجمال تنطوي عليه الاشياء، ولكن اين تراه الجمال الافتراضي؟ ارى ان الجمال لايكمن في انتظام الاشياء بالضرورة ولا ما اعتادت العين على مشاهدته من تنسيق، حتى جمال الحس والمشاعر، يصبح الاضطراب والصعود والهبوط والنزعات الذاتية وجهاً من اوجه الجمال.. الجمال الذي نقرأه ونشعر به هو ذاك الذي لا يقاس بالمسطرة ولايمتلك شكلاً هندسياً بالضرورة ما بين هذا وذاك.. ستبقى قصة المجتمع والفيلم اوسوسيولوجيا الفلم والصلة بينهما محور تفكير ونقاش ما دامت هنالك صلة بين الانسان والفن.

عيدي امين :آخر الملوك : صورة الدكتاتورية وتراجيديا الواقع على شاشات السينما


ربما كانت سير الحكام والزعماء على الشاشات من طرائف مااهتمت به السينما على مر تاريخها فمن هتلر الى تشي غيفارا الى جون كنيدي الى سيلفادور اليندي الى ستالين وصولا الى عيدي امين .فهذه الشخصيات الأشكالية التي اثرت في مسار المجتمعات الأنسانية وخلفت وراءها ماخلفت من ذكرى فيها مافيها من اعجاب او ادانة ، ذلك ان ميزة الشخصيات الأستثنائية مثل هذه الشخصيات انها تفتح افقا للصراعات من منطلق ان حياتها لاتعرف الأستكانة وتشهد تحولات كبيرة .
ولعل عيدي امين او من يكنى بأنه دكتاتور اوغندا هو احدى هذه الشخصيات الأشكالية ، فهذا الرجل القادم من اسرة فقيرة والمولود سنة 1924 قفز فجأة الى واجهة الأحداث وتسلق في المناصب من ظابط صغير في الجيش الأوغندي سنة 1962 الى قائد للجيش سنة 1966 ثم ليصبح رئيسا لأوغندا بعد انقلاب عسكري اتى به الى السلطة سنة 1971.
عبر هذا التاريخ كان عيدي امين يؤسس لنفسه موقعا واسعا في حياة الشعب الأوغندي ذو التركيبة القبلية والذي تشكل فيه المسيحية أغلبية بينما المسلمون اقلية لاتزيد على 20 بالمئة .
وسط هذا المناخ سطع نجم عيدي امين مصحوبا بهالة كبيرة وبضجيج غير مسبوق ، فقد استحوذ امين على مقدرات اوغندا واستحوذ على السلطات وصار حاكما مطلقا .

سيرة مفعمة بالأسرار والتحولات

ويتتبع المخرج الأسكوتلندي كيفن مكدونالد هذه السيرة من خلال تعمقه في رواية حملت العنوان ذاته – آخر ملوك سكوتلندا- للكاتب جلس فوندن تم اعدادها الى الشاشة . بنى المخرج فيلمه على قصة متخيلة لطبيب شاب من سكوتلندا يتخرج توا من كلية الطب وهو نيكولاس( الممثل جيمس ماكفوي) وبعد تخرجه مباشرة يفكر في السفر الى ارض بعيدة ليمارس تخصصه فيها وببساطة شديدة يدير الكرة الأرضية في حركة سريعة حتى تتوقف عند كندا لكنه لايحب الذهاب هناك ، ثم يجرب تحريك الكرة واضعا اصبعه عشوائيا على بقعة ما فأذا هي اوغندا .. ويختار اوغندا ويرحل اليها.
تظهر اوغندا بقراها وطرقها الترابية والطبيب الأسكتلندي الشاب يتنقل مع القرويين في باص متداعي ثم ينظم الى متطوعين آخرين منن الأطباء لمساعدة القرويين في القرى النائية وهناك يشهد مأساة الفقر والأمراض .
لكنه يسمع يوما ان الرئيس عيدي امين قادم لزيارة قرية من القرى القريبة فيطلب من زميلته الطبيبة ان يذهبا لمشاهدة الرئيس وهو يزور القرية .
يذهب الطبيب الى هناك ويشاهد تجمع آلاف القرويين ومظاهر الحفاوة والرقص التي تتوج بظهور عيدي امين على خشبة المسرح والقائه كلمة بطريقة استعراضية .
وينصرف الطبيب وزميلته بعدما شاهدا الرئيس عن قرب لكنهما يلاحقان بسيارة لحراس الرئيس لأن الرئيس نفسه فقد تعرض لأصابة ما في حادث سير في اثناء عودته من تلك القرية ، فيذهب الطبيب ليشاهد ان سيارة الرئيس قد صدمت ثورا عبر الطريق فجأة ويعالج الطبيب كف الرئيس المصابة لكنه لايطيق تحمل انين الثور الذي يحتضر فيسحب مسدس الرئيس ليطلق منه رصاصة الرحمة على الثور وسط ذهول حراس الرئيس ورد فعل الرئيس نفسه الذي لايقل اندهاشا من جرأة الطبيب : قائلا له ، كيف تجرأت على استخدام مسدسي الشخصي ؟
ويتبادل الرئيس والطبيب القمصان في حركة طريفه اذ يتخلى الرئيس عن قميصه وفيه رتبته العسكرية ونياشينه في مقابل قميص الفريق السكوتلندي الذي يرتديه الطبيب .. ويدعو الرئيس هذا الطبيب الشاب لزيارته ثم مايلبث ان يعتمده طبيبا خاصا له ، ولا يجد الطبيب سبيلا للرفض .

رحلة في العالم الخفي للزعيم

من هنا تبدأ رحلة الطبيب الشاب في ذلك العالم الخفي للرئيس ، فهو يعيش جميع تفاصيل مايجري في القصر ويجد نفسه جزءا من ذلك العالم المجهول : الزعيم غريب الأطوار ، كثير الفكاهة والمزاح ، متقلب المزاج ، متعدد الزوجات والأبناء ، هذه كلها تكون ملامح وصفات الرئيس ذو الجسم الرياضي الضخم وخلال ذلك وبسبب جنسية الطبيب الشاب وخلال الحفلات الرسمية يمرر السفير البريطاني او من يمثله ملاحظات مهمة تتعلق بالتجسس على الرئيس وتزويدهم بمعلومات عنه ولكن الطبيب الشاب من فرط ولائه واخلاصه يرفض بشدة ذلك الطلب ويمضي في حياته اليومية مع الرئيس حتى تتكشف له صورة بشعة بعد وشايته بوزير الصحة واخبار عيدي امين ان وزيره يتآمر عليه لصالح دولة اخرى وقبل ان يطلع الصباح يكون الوزير في عداد المفقودين ويكتشف الطبيب الشاب كم من خصوم عيدي امين يتم اخفاؤهم فورا وبهذه الطرقة نفسها وباستمرار والتمثيل بهم احيانا وهو مايدفع الطبيب الشاب لزيارة احد المعتقلات فتصدمه الحقيقة المروعة لكثرة الضحايا وفضائع التعذيب وغيرها .
وتلاحقه صرخات الضحايا فيخبر الرئيس عيدي امين بأنه يريد مغادرة اوغندا والعودة الى بلده لكن مطلبه هذا يقابل بالرفض من الرئيس ويستبدل جوازه بجواز اوغندي وبذلك يحاصره الرئيس من كل زاوية وعندها يقرر الطبيب الشاب الأنتقام بدس السم للزعيم بواسطة علبة دواء ولكن مالم يكن في الحسبان ان احد اتباع الزعيم يشتبه في الأمر فيقرر تجريب الدواء الذي قدمه الطبيب الى الزعيم على احد الأطفال ولما يشاهد الطبيب ذلك يرفض ان يقوم الطفل بتناول الدواء وهنا تتأكد مؤامرة الطبيب الشاب ويتم اعتقاله وتعذيبه تعذيبا فضيعا يشارف فيه على الموت .
هذه المفارقة التي اثارت سخط الرئيس تخللتها خيانة الطبيب للرئيس بأقامة علاقة ما مع احدى زوجاته وهو مايشكل سببا اضافيا للأنتقام من الطبيب ، تقع هذه الأحداث عشية العملية الفلسطينية الشهيرة في مطار عينتيبة مطلع السبعينيات باختطاف طائرة اسرائيلية والتي تنتهي بمهاجمة اسرائيل للمطار وتحرير الرهائن وبالتالي تسلل الطبيب الشاب وهو يغالب آلامه في وسط الرهائن الذين تم تحريرهم وتسلله معهم الى الطائرة التي عادت بهم الى بلادهم .

وقائع للتاريخ ام للسينما?

تثير الوقائع التي عرضها الفيلم تساؤلات عن الجانب الوثائقي ومساحة الصنعة الفنية او كون الأحداث ليس لها جذر واقعي ، لكن هذا الجدل في قوة الوثيقة وقوة الحقيقة من جهة والبناء الدرامي من جهة اخرى تقطعه تلك موازنة المخرج بين هذين الركنين الأساسيين اللذين بني عليهما الفيلم مع ان الحقائق التي تتعلق بسيرة وحياة عيدي امين معلومة وقد ذاع صيت هذا الدكتاتور في كل مكان .
لكن المضي في مغامرات الطبيب ومايتكشف له من حياة الزعيم ظلت تشكل محورا مهما واساسيا في البناء الدرامي للفيلم فالحقائق تتكشف وتتضح من خلال مايأتي به الطبيب وماينعكس امامه من تحولاات الزعيم ولاتعرف مزيد من التفاصيل الا من خلال ذلك فيما الواقع يؤكد ان حياة عيدي امين كانت دراما هائلة : تمجيده لهتلر واعجابه به الى درجة قراره اقامة تمثال له ، مواقفه المتناقضة وانفعالاته ، صراعاته مع الزعيم التانزاني جوليوس نايريري وهو الذي كان سببا مهما في الأطاحة به لما كان يكنه من عداء وكره شخصي لعيدي امين .
ثم كانت الدراما الموازية الممثلة في الحياة الشخصية لعيدي امين الذي عرف بتعدد وزوجاته وابنائه كما ذكرنا وهذا الركن من حياته فيه كثير جدا من القصص ومنها قصة زوجته الثانية التي يقال انه طلقه لأسباب مجهولة كما تقول الوثائق لكن الفيلم وضع تلك الزوجة في دائرة الخيانة من خلال علاقتها بالطبيب الأنجليزي الشاب .
والخلاصة في هذا الجانب ان هنالك غزارة من المعلومات عن حياة الرئيس ذات طابع وثائقي لم تجد لها موقعا في الفيلم بسبب مزاحمتها للأحداث التي طرحتها الرواية التي بني عليها الفيلم من قصة مفترضة وخيالية لمغامرة الطبيب الأنكليزي الشاب .

البناء الفني وجماليات التعبير

مما لاشك فيه ان جماليات الصورة السينمائية شكلت عنصرا مهما في هذا الفيلم وهو مابدا واضحا من خلال المهارات في المونتاج وجمالية التصوير وهي عناصر مهمة قوت من الفيلم وجذرت احداثه اضافة الى توفر المتطلبات النتاجية الضخمة التي اتيحت للفيلم ، هذه المعطيات هي التي اضافت لواقعية الفيلم بعدا تعبيريا آخر . ولعل من الأمور الأخرى المكملة هي الشخصية المحورية الممثلة في اشخصية الزعيم ( الممثل فورست ويتاكر ) الذي جسد الشخصية بتمكن ملفت للنظر اهله لنيل احدى جوائز الأوسكار ، لقد عاش الممثل اجواء وعوالم تلك الشخصية المركبة المعقدة ، فهي شخصية تحركها دوافع الأستحواذ والسيطرة والأستقواء والغاء الآخر تساعده في ذلك تركيبته الجسمانية وضخامة البدن وكونه ايضا ميالا للرياضة وممارستها ، هذه الشخصية المركبة المتناقضة المتحولة هي حقا من نمط الشخصيات الأشكالية السلطوية التي تعج بها كتب التاريخ من حياة الزعامات القادمة للكرسي عن طريق الأنقلابات والبطش والتآمر تساعده في ذلك طبيعة المجتمع الأوغندي ذاته ، ذلك المجتمع القبلي المبتلى طويلا بالصراعات القبلية والتعصب القبلي كما ان تعرض اوغندا المستمر الى استفزازات الجيران وخاصة العدو التقليدي تنزانيا والكراهية الشخصية بين عيدي امين ونيريري كل هذه مجتمعة اججت من النزعات القاسية والأنتقامية التي كانت تنضح من افعال عيدي امين ، وفي كل الأحوال فأن كل هذه العوامل النفسية والأجتماعية في الفيلم وقبل ذلك في الرواية شكلت مع بعضها عوامل اضافية في النباء الفني للفيلم وجماليات التعبير التي قامت على موازنة ملحوظة بين المضي في السرد التاريخي وتقديم الشخصيات كما هي في تناقضاتها اهوائها كما هي حال مساعدي عيدي امين المخلصين له وكما هو حال الزوجة غير الوفية وكذلك الطبيبة الأنجليزية التي تعاني من مشاكل مع زوجها لكنها تأبى اقامة علاقة مع ذلك الطبيب الشاب.
...........

يذكر ان المخرج كيفن مكدونالد هو من مواليد 1967 في سكوتلاندا واخرج عدة افلام وثائقية قبل ان يخرج فيلمه الروائي الأول سنة 1999 وحمل عنوان يوم في شهر سبتمبر ثم تتابعت افلامه :ملامسة الفراغ 2003، ولاية اللعبة 2004 وغيرها .
..........................................

الفيلم : آخر ملوك سكوتلندا
اخراج : كيفن مكدونالد
عن رواية بنفس الأسم للكاتب جلس فوندن
سيناريو:بيتر مورجن وجيريمي بروك
تمثيل :فورست ويتاكر ( شخصية عيدي امين ) ، جيمس مكفوي (الطبيب نيكولاس كيرجان)


المهرجان الدولي الحادي عشر للفيلم القصير في بروكسل08

السينما عندما تتنقل مابين قصص الحرب وازمة المجتمعات



اقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل مؤخرا المهرجان الدولي للفيلم القصير في دورته الحادية عشرة بمشاركة اكثر من 120 فيلما من 20 دولة وامتدت عروضه لعشرة ايام متواصلة وفي اكثر من صالة عرض .
ولعل ميزة هذا المهرجان انه يرسخ هوية الفيلم القصير من جهة احتضان شتى التجارب ومختلف الأساليب الفيلمية التي تلتقي جميعا ضمن دائرة الفيلم القصير .
عرض المهرجان في قسمه الخاص بالمسابقة الدولية افلاما من دول عدة امتدت لثمانية ايام واشتملت على 41 فيلما عرض اغلبها في صالة السينما الكبرى فان دوم في وسط العاصمة بروكسل فيما كانت هنالك مسابقة اخرى للفيلم البلجيكي القصير تحت اسم المسابقة الوطنية وشارك فيها عشرين مخرجا بعشرين فيلما كما اشتمل الفيلم على قسم خاص لأفلام امريكا اللاتينية ودول البلقان كما ضم عروضا للكليبات والأفلام القصيرة جدا او افلام الدقيقة الواحدة فضلا عن اقسام اخرى متعددة من اطرفها على الأطلاق هو قسم عروض افلام من سلة المهملات .
في كل الأحوال نجد ان المهرجان قد سعى الى التوسع اكثر وأكثر باتجاه جعل تجربة الفيلم القصير متسعة الى مديات تعبيرية ترتبط بأنواع فيلمية مجاورة ودون اقتصارها على المسابقتين الدولية والوطنية فحسب .
وقد ضمت لجنة التحكيم نخبة من السينمائيين البلجيك خاصة من مخرجين وكتاب سيناريو وممثلين معروفين ومنهم كاتب السيناريو ( يواهم لافوس ) و كاتب السيناريو والمخرج ( فرانسوا بيروت ) و الممثل ( يانيك رينير ) و المصور ( ويلي ستاسين ) وآخرين .
والذي يهمنا في هذه المراجعة للمهرجان وأيامه ولياليه الحافلة هو ان نتوقف عند اهم الأفلام التي شاركت في المسابقة الدولية .

احداث ليلة واحدة

من اسبانيا جاء المخرج ايفند هولمبو بفيلمه -العين بالسن- وربما كان هو احد الأفلام المتميزة في المهرجان من جهة موضوعه وبنائه الدرامي ، فالقصة تدور على محاور عدة في زمن واحد ، اللص الذي يقتحم مسكنا وأول مايفتقده هو استخدام فرشاة الأسنان لتنظيف اسنانه ويفتقد الفراش الوثير ثم يتلقف ماخف حمله وغلا ثمنه ويفر هاربا من المكان ، في الوقت ذاته هنالك الفتيات الأربع اللاتي تعتعهن السكر وركبن سيارتهن وهن يواصلن رحلة العبث هذه التي تنتهي بدهس اللص ذاته وهو يعبر الطريق واردائه قتيلا ، وربما هربت الفتيات بعدما شعرن بالرعب من الجريمة وتوقع العقاب ، واما الفتاة السائقة فأنها تصدم وهي عائدة الى المنزل في حالة احباط تام ، تصدم بأن تجد امها بصحبة عشيق لها فما يكون منها الا ان تخبر اباها وخلال ذلك يهرب العشيق سارقا سيارة الفتاة ذاتها التي تسببت في حادثة الدهس المروعة وتوقفه الشرطة للأشتباه بأنه هو من قام بالجربمة وهرب ، واما الأب المصدوم بالخيانة الزوجية فأنه في نوبة غضبه يتسبب في مقتل الزوجة ..وهذه الأحداث جميعا تجري في اطار برهة زمانية هي ليلة واحدة اجاد مدير التصوير والمصور في اظهار جمالياتها والتنقل على اكثر من مستوى بمرونة تامة وبتنوع تعبيري ملفت للنظر ، واقعيا قدم الفيلم شحنة تعبيرية مؤثرة على جميع المستويات فثيمة الفيلم التي تشظت على مستويات متعددة عادت والتحمت في التعبير عن ازمة مشتركة ماانفكت تعصف بالشخصيات واحدة بعد الأخرى .
يضاف الى كل هذا الأداء المتقن الذي قدمته الشخصيات في اطار ذلك المدى الزمني المحدود .ولعل ماتوقفت عنده ايضا مما هو جدير بالأشارة وهو استخدام المقدمة الغنائية لمغنية عربية وهي تترنم في بداية الفيلم ونهايته (ياليل مااطولك ..) في غناء فردي عفوي بالغ العذوبة اضاف للفيلم عنصرا جماليا آخر .

الحكمة المفقودة في الصراع العائلي

ومن رومانيا يشارك المخرج (رادو جود ) بفيلمه –الكساندرا- الذي يحكي قصة طفلة تحمل ذات الاسم حيث يدور الحوار العفوي جدا بينها وبين ابيها وتسأله اسئلة بسيطة تجد صداها لدى الأب في رغبته في الأجابة عنها ..وخلال ذلك هو يحمل دراجتها الهوائية المعطلة ويواصل اصلاحها في المنزل ولكن فجأة ينشب الجدل بين الزوجة والزوج بدعوى الأب ان زوجته لاتعلم الطفلة الأشياء الصحيحة وان الطفلة لاتنادي الأب الا بأسمه ويتصاعد الجدل بين الزوج والزوجة وتدخل ام الزوج على الخط في هذا الجدل المحتدم لينتهي باختبار الطفلة للتأكد من معرفتها لوالدها وعدم مناداتها باسمه المجرد وتنجح الطفة في الأختبار وتثبت انها تعلم كل شيء عن اسرتها اي انها تستطيع تمييز كل واحد ومناداته بموقعه بالنسبة لها كالأب والأم والجدة .
تميز الفيلم بالأداء العفوي للطفلة والزوجين ومثل احتدام الجدل بينهما احدى الذروات المهمة في البناء الفيلمي فضلا عن ان هنالك مساحة متميزة من التعبير عن الدوافع والهواجس النفسية بين الطرفين . ولعل الملفت للنظر ايضا في هذا الفيلم هو كونه استثمر المكان افضل استثمار ، فالأحداث كلها تقع في مكان واحد وهو منزل الأسرة ولكن الحوار المحتدم اضفى حيوية على المكان من جهة وكسر الرتابة التي كان عليها من جهة اخرى.
ومن ايطاليا كان هنالك فيلم - حافية على خشبة المسرح- من اخراج اندريا روفيتا ويتحدث عن فتاة تخضع لأختبار كفاءتها ويطلب منها الغناء بكل اشكاله وتمثيل الحيوانات والرقص والباليه والتحدث بلغات متعددة وتنجح نجاحا ملفتا في جميع هذه الأختبارات فيسقط في يد من يختبرها فيلجأ الى مطلب تعجيزي بأن يسألها ان تحلق ، ان تطير ، وبالفعل ترتفع الفتاة تدريجيا ولكن الرجل يطلب منها ان تنزل فتسقط الفتاة ويطلب هو سيارة الأسعاف .هذا النوع البسيط من الأفلام القصيرةهو ميزة اخرى من ميزات المهرجان ، حيث الأفلام القائمة على مفارقة بسيطة وسريعة لكنها تنطوي على مهارة في كتابة السيناريو من جهة ومهارة في الأخراج ايضا وهو ماينطبق على الفيلم النيوزيلندي الذي حمل عنوان (احذر من الفأس ) للمخرج جيسن ستوتر حيث المفارقة قائمة على فكرة ان الطفل يحاول قطع الشجرة ولما تصعب المهمة عليه يستند على كفه لأداء العمل ويعرض الكف بالنتيجة الى خطر ضربها بالفأس ثم يستخدم قدمه في مخاطرة اخرى وفي النهاية يرفع الفأس بشدة فيصيب جبهته ويسقط وينتهي الفيلم . هذه الومضة الفيلمية السريعة ربما اختزلت كثيرا من التفاصيل والمعلومات وأطرت الشخصية في اطار فعل سريع وآني .

عن الحرب والحياة الصعبة

ومن رومانيا يأتي الفيلم القصير - الحياة الصعبة- للمخرج غابريل سيربو ويحكي قصة لص يهدد فتاة وهي في داخل سيارتها في وسط زحمة السيارات التي ينتظر سائقوها اضاءة اشارة المرور الخضراء ، فيشهر اللص سكينا مهددا الفتاة في لحظة تأتي فيها الشرطة فيضطر اللص الى الأندفاع الى داخل السيارة ويأمر المرأة بأن تتحرك فورا من المكان وتأتمر بأمره فيما يمضي هو في تفتيش حقيبتها وبعدما تجتاز اماكن عديدة لاتعرفها وتحاول ان تقنعه ان يأخذ مافي المحفظة من مال ويتركها تمضي بسلام لأن لديها مهام والتزامات الا انه يواصل نهرها ان تمضي حيث يريد ولكنها تقرر ان تترك له كل شيء : الحقيبة والمال وحتى السيارة ، ويحاول اقناعها ان تعود ولكن دون جدوى ، وهنا يفكر مليا ثم يقول لها انه سيعيد لها كل شيء : المال والحقيبة ويتوسلها ان تعود الى سيارتها ويعدها انه هو الذي سيوصلها بنفسه الى عملها في تحول سيكولوجي مفاجئ وغير متوقع حتى انه يدفع من جيبه ثمن بنزين السيارة ، فتعود الفتاة وتنطلق معه الى عملها ولكنها وهي تخرج من السيارة تتركه في داخلها وتغلق ابوابها دونه.بالطبع يقوم الفيلم على مفارقة دراماتيكية من خلال دوافع الشخصيتين معا ، حيث يسلط الضوء وبطريقة غير مباشرة على طبقتين تعيشان وتتنفسان معا في مناخ واحد لكنهما تسيران في خطى متباعدة ، الفقراء المعدمين ممثلين بهذا اللص وشخصية ثانوية اخرى تظهر في الفيلم وهي الشحاذ الذي يصطنع اصابته بأعاقة ويجري كل ذلك في اماكن نائية حيث تظهر صور من حياة الطبقات الفقيرة بصورة مباشرة وغير مباشرة .
وقدمت المانيا فيلم – ميلان- للمخرج مايكل كيزيل حيث تجري وقائع الفيلم في اثناء حقبة حرب البلقان سنة 1999 وحيث تعيش اسرة بسيطة مكونة من الزوج والزوجة وولدين وهم جميعا يعيشون حياة مرحة ومتسامحة وخلال سير الأبن الأكبر بدراجته تصدمه حافلة ويصاب اصابة خطيرة ويتم نقله الى العناية المركزة في المستشفى بينما تقوم طائرات حلف الناتو بحسب مايعلن عنه في نشرات الأخبار ، تقوم بقصف المدينة من حول المستشفى مما يتسبب في قطع التيار الكهربائي وتهديد حياة المرضى ،و بينما يسعى والدا الشاب للمجيء لتفقد ابنهم فأن الأبن الأصغر يكون ثملا ضائعا في احدى الغابات ويفاجأ بأحد الطيارين الأمريكان عالقا في اعلى شجرة بعد تحطم طائرته وسقوطه بالمظلة في تلك الغابة ويطلب من الطفل مساعدته كي ينزل من اعلى الشجرة بسلام بينما الأذاعة المحلية تعلن عن البحث عن طيار امريكي مفقود وبينما يحضر رجال المقاومة باحثين عنه ويسألون الطفل ميلان ان كان شاهد ذلك الطيار فيجيب بالأيجاب ولكن دون ان يدل على الطيار ، وهكذا تمضي الحياة في اجواء تلك الحرب الطاحنة المدمرة ، الأبن على شفا الموت والأبن الآخر مشرد في الغابات المحاصرة بالحرب والصراع الدامي والبلاد تواصل دفع ثمن باهض .

تحولات وأهواء العاطفة

ويقدم المخرج الألماني روت كافي فيلمه – من بعيد – ويتحدث الفيلم عن رجل يعمل مراقبا لأحدى المحلات الكبرى – سوبر ماركت – يراقب اللصوص او اللذين يتلصصون على النساء وهن يجربن الثياب قبل شرائها في غرفة تبديل الثياب ولكنه خلال عمله هذا في المراقبة عبر الشاشات تلفت نظره فتاة تعمل في قسم من اقسام تلك السوق فينشغل بمراقبتها وعندما تخرج من عملها يخرج في نفس الوقت ويركب الحافلة نفسها ويتواصل معها بأيماءة تحية لها ولكنه يفاجأ بها في احدى المرات انها تركب الباص مع شخص حسب انه حبيبها ولكنهما سرعان مايتشاجران وتنزل الفتاة تاركة الحبيب المفترض في الباص ولكنه سرعان مايشتبك مع ثلة من المراهقين في داخل الحافلة وهم يوسعونه ضربا ويفارق الحياة وهو في طريقه الى المستشفى .
ولكن المفارقة تقع عندما يتم الأعلان في نشرة الأخبار عن وفاة ذلك الشخص وأنه شقيق الفتاة وليس حبيبها كما كان الرجل يظن ، فيشعر بالذنب لأنه لم يدافع عن الشاب كما يجد فتاته معذبة تطاردها ذكرى شقيقها وشعورها بالذنب لأنها تركته فريسة اولئك المراهقين .
الفيلم مشحون بالتحولات وبأيقاع منسجم مع تلك الدراما التي ترسم للشخصيات مسارات متعددة متشابكة ، وقد اجاد المخرج التنقل على اكثر من مستوى والتعبير عن تحولات وهواجس الشخصيات بطريقة متقنة وبالعزف على وتر المشاعر الشخصية التي تفعل فعلها في اطار ذلك البناء الفيلمي .
ومن كندا قدم المخرج شين غاريتي فيلمه – اعادة تنظيم – عن قصة شاب وفتاة يعيشان معا ولكن الفتاة تصارح الشاب بماضيها وأسرارها ممايشكل صدمة للشاب وتنقلب حياته رأسا على عقب وتتصاعد انفعالاته وعدم قدرته على السيطرة على تلك الأنفعالات العنيفة التي تدفع به الى تحطيم الأشياء وعدم القدرة على العيش في المكان بطريقة طبيعية .ويقوم الشاب ايضا بأعادة توزيع الأشياء من حوله بطريقة عبثية وسط عجز الفتاة عن فعل شيء . الفيلم على بساطته فأنه قدم دراما انسانية عميقة من خلال ردود افعال الشخصيات وانفعالاتها ضد كثير من الأشياء ولعل مايلفت الأنظار في عموم هذه الأفلام المشاركة والتي عرضنا هنا لأهمها ، ان المهرجان قدم تنوعا فيلميا وواكب آثار الحروب والنزاعات من جهة وواكب ازمات المجتمعات وتحولاتها من جهة اخرى وكان في تنوع تلك العروض قد منح الفيلم القصير مرة اخرى مرونة ان يتغلغل وبنجاح في شتى مناحي الحياة وطبائع الشخصيات .

Cannes 08
فيلم الصف اعاد لفرنسا سعفتها الذهبية وكازاخستان تلفت انظار الجمهور الغربي
-2-
كان – د.طاهر علوان


تحدثنا في مقال سابق عن كان المهرجان واجواؤه وكونه ملتقى للأبداع والثقافات ، وكونه يفتح آفاقا للتنوع لايجاريه فيها مهرجان آخر ، وسأمضي في تتبع اهم الأفلام التي عرضت في المهرجان وسأبدأ بالفيلم الحائز على السعفة الذهبية .
الفيلم حمل عنوان (الصف ) او بين الجدران لمخرجه الفرنسي لورون كانتيه وهو فيلم يستحق وقفة عند بنائه واحداثه .
تقع احداث الفيلم بكاملة في اروقة مدرسة متوسطة وتحديدا في داخل صف او فصل دراسي وكل الفيلم حوارات تقع مابين الطلبة ومدرس اللغة الفرنسية ( الممثل فرانسواز بيكوديو ) وللعلم فأن بطل الفيلم هذا الذي يؤدي دور المدرس هو مدرس حقيقي وان كتابا انجزه ونشره يحمل فكرة هذا الفيلم كما انه كاتب سيناريو الفيلم .
المهم ، ان حوارات يومية معتادة تتكرر بين اي مدرس وطلابه في اية مدرسة هي كل مافي الفيلم لكن الفيلم مبني سيكولوجيا على توجهات ونزعات الأولاد المراهقين والبنات ايضا وردود افعالهم وافكارهم التي تقود الى حوارات ندية محتدمة مع المدرس يجري خلالها ابراز قيم سلوكية متعددة ومعقدة بتعدد وتعقيد المجتمعات المعاصرة في اوربا من جهة احتضانها العديد من الجاليات الأجنبية التي تتجمع في هذا الفيلم .يعمد المدرس الى دفع طلابه الى الكتابة عن انفسهم ،ان يصفوا افكارهم ومايحبون ومالايحبون وهو نوع من الممارسة الحيوية للتعريف بالذات من جهة وتطوير المهارات الفردية في اللغة الفرنسية ، لكن هذه الفعالية تدفع الى اكتشاف طالب عنيف وعدواني وهو سليمان القادم من مالي والذي يجابه المدرس والطلاب على السواء بنزقه ورفضه ويتحول الى مشكلة كبيرة ومعقدة للمدرس الشاب وللمدرسة التي تقرر طرد سليمان الى مدرسة اخرى تخلصا من مشاكله ..ويعرض الفيلم لسلوكيات الطلبة المنتمين للعديد من الجاليات والذين يجدون في حصة مادة اللغة الفرنسية للتعريف بأنفسهم وخوض معركة كلامية مع المدرس ..الفيلم تميز ببراعة استخدام الحوار فعلى مدى ساعة وثلث الساعة من الحوارات المحتدمة وفي اطار الصف الدراسي لايشعر المشاهد بالملل مما يجري حوله وفي كل الأحوال حمل الفيلم صفة اختلاف اساسية عن نمطية الأفلام الروائية وهي ان ممثلوا الفيلم جميعا شخصيات حقيقية ابتداءا من الطلبة ومدير المدرسة وانتهاءا بأستاذ اللغة الفرنسية فرانسوا ، وبين هذا وذاك يقدم الفيلم مزيجا مما هو تسجيلي وما هو روائي حتى انك لاتتمكن من تحديد نقطة بدء وانتهاء في بناء سردي قائم على الفعل في اللحظة اكثر من كونه ميلودراما قائمة على صراع وتصاعد للأحداث وفي كل الأحوال اثار الفيلم دهشة الجميع بنيله الجائزة الكبرى للمهرجان التي جعلت من طلبة تلك المدرسة الواقعة في ضواحي باريس التي تعج بالمهاجرين ، جعل منهم نجوما اعتلوا خشبة المسرح وحف بهم مئات الصحافيين . هذا الفيلم اعاد فرنسا الى نيل جائزة مهرجان كان بعدما حرمت منها قرابة 20 عاما منذ فيلم المخرج الشهير موريس بيالا الذي نال آخر سعفة ذهبية من كان
فيلم الأعجاب الذي لم يعجب المحكمين
.
الفيلم الآخر الذي من المهم تسليط الضوء عليه حمل عنوان ( الأعجاب ) من كندا للمخرج اتوم اكويان وهذا الفيلم تميز ببنائه المتقن وتعدد مستويات السرد السينمائي فيه وهو يعالج قضايا شائكة معاصرة يقع الشرق العربي في قلبها سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة ولكن بطريقة محكمة وعالية الأحتراف ، فالمدرسة الشابة تقرأ على طلابها مقالا عن شاب فلسطيني يعيش في كندا وتربطه علاقة عاطفية مع فتاة كندية .. وهو يواجه مشاكل في العمل ..هذه الملامح البسيطة للعلاقة بين الأثنين تلهم احد طلبة هذه المدرسة ان يكتب رؤياه عما سمع ، حيث تطلب المدرسة من كل طالب ان يكتب رؤياه الخاصة فيتخيل انه هو ذلك الجنين الذي تحمله تلك السيدة الكندية وان اباه هو ذلك الفلسطيني وتتحول هذه القصة الى مشكلة بين اسرة الشاب والمدرسة بينما يتضح من سير الأحداث ان المدرسة لبنانية الأصل وفقدت والداها في الحرب بينما فقد الطالب ذويه في حادث غامض وهو يعيش اليوم في كنف خاله او عمه .. وتتصاعد الدراما في الفيلم وتتداخل ازمنة السرد وتثار نقاشات عن الأسلام والأديان الأخرى وعن فلسطين ..واستطيع ان اقول ان هذا الفيلم هو احد اروع افلام المهرجان الا ان من المؤسف انه لم يحظ بأية جائزة .
كازاخستان تظهر على خريطة السينما للمرة الأولى
نأتي الى الفيلم الفائز بجائزة نظرة ما وهو فيلم تولبان لمخرجه سيرجي دفورتسفوي وهو من كازاخستان بأنتاج الماني . هذا الفيلم يستحق وقفة خاصة لعدة اسباب من اهمها الحفاوة البالغة التي قوبل بها بعد عرضه واهتمام الجمهور العريض به ، في ظل حضور فريق عمل الفيلم ومنتجته الألمانية ممثلة شبكة ( زد. دي .اف ) والسبب الآخر هو اهمية التعرض لموضوع الفيلم .
تقع احداث الفيلم في شبه بيئة صحراوية حيث تعيش عائلة من زوج وزوجة وطفلين في شبه بيت ريفي فقير وقذر وهم يرعون قطعانان من الماشية .. وتنقصهم المياه ..ويزورهم شقيق الزوجة الذي يعمل بحارا في الجيش الكازاخي ، وهو يروي لهم ماشاهده في عمله بحضور رجل كهل وعجوز متهالكة وسائق تراكتور وكلهم يرتدون ملابس قذرة وشبه اسمال ، والطفل الصغير بمستطاعه التبول في وعاء قرب مكان جلوس الجميع . وبالطبع هم يواجهون العواصف والقحط بشكل مستمر ، ويقدم الفيلم سائق التراكتور وهو يعلق الصور الخليعة ويستمع متراقصا الى اغنية فريق ( بوني ام ) الشهيرة التي تمجد بالصهيونية التي تستذكر السبي البابلي ..ويجري تكرار هذه الأغنية مرارا بطريقة مستهجنة ومريبة .وبعد عرض الفيلم مباشرة واحتفاء الجمهور به وتصفيقهم الذي لم ينقطع التقيت كاتب السيناريو وسألته عن مغزى استخدام هذه الأغنية الجارحة للمشاعر ، فأجابني اجابة تدل على جهل فاضح اذ قال : لقد اخترنا هذه الأغنية لأنها جميلة وتبعث على الفرح ..! فلما سألته : هل تعلم فحوى كلماتها ؟ قال متلعثما ، لا... فلما رددت على مسامعه كلماتها باللغة الأنكليزية وانها كلمات جارحة واستفزازية ..قال ..انني آسف لذلك ..
الفيلم من اوله الى آخره هو مكابدات ومصاعب العيش والفقر لهذه العائلة ..ويومياتها ..يضاف الى ذلك مشاهد مصنوعة بعناية كبيرة ومنا الخصام الذي يقع بين البحار وبين زوج شقيقته حيث يعيش معهم وهو مايدفعه الى ترك المنزل في جو عاصف وفي طريقه في شبه الصحراء يعثر على نعجة في حالة الوضع ..فيقوم بجهد حقيقي لأخراج وليدها من رحمها وقد تم تصوير المشهد كاملا ..وهو مااثار الجمهور الغربي الحاضر ورافق المشهد بالتصفيق ، ومن الغرائبيات الأخرى هو استمرار الطفلة بنوع من الغناء يشبه الصراخ ..مما يثير الضحك ..ثم تشبيه سائق التراكتور للبحار بأنه يشبه زوج الأميرة ديانا من جهة حجم الأذن !!!
الفيلم برمته يعمق نظرة استشراقية قوامها الفرجة على تلك العائلة المعدمة وهي تقدم عرضا زاخرا قوامه التدريب الواضح والمتقن للممثلين واعتماد الحياة الواقعية كما هي وهو ما جعل الفيلم مؤهلا لنيل جائزة نظرة ما تدعمه بالطبع مسألة مهمة كونه من انتاج الماني وقد حضر طاقم الأنتاج الألماني مع الفيلم للترويج له .
photo by : j.tachmintzis
all right reserved
جميع الحقوق محفوظة
-

كان 2008

محطات ومشاهد من مهرجان كان السينمائي في دورته 61


نصف قرن ونيف ومهرجان كان السينمائي يواصل صعوده وتجذره في قلب ثقافات العالم ، مساحة زمنية شاسعة مرت فيها الأمم بحروب طاحنة وصراعات دامية ذهب ضحيتها ملايين البشر فيما مهرجان كان يغذي ثقافة اخرى ومنطقا آخر ويصنع لنفسه مكانة في نفوس عشاق الأبداع والجمال .
فمهرجان كان ليس كسائر المهرجانات في اية بقعة من بقاع الأرض اذ عجزت العديد من المهرجانات الكبرى من اللحاق وصنع هذه الأسطورة السينمائية .
فالمهرجان في اية بقعة اخرى في عرف الكثيرين لايعدو ان يكون صالة لعروض الأفلام ومنح الجوائز ، اما مهرجان كان فهو مناخ ثقافي وابداعي شامل تحتشد فيه عوامل عدة اولها المكان ، فكان المدينة المرتمية في احضان البحر المتوسط والتي لاتبعد عن مدينة رائعة مجاورة هي نيس ولاتبعد كلتاهما كثيرا عن موناكو وكلها تتلألأ على الشطآن في الجنوب الفرنسي جامعة بين الجغرافيا وسحر الطبيعة وبين قيم الثقافة الراسخة .
يضاف الى كل هذا ان شكل المدينة وانحناءاتها ومناخها المعتدل في سائر اشهر السنة منحها جمالا آخر وجعلها محل استقطاب واهتمام كل من زارها او سمع عنها .
هذه هي كان المدينة ، فأما كان المهرجان فهو مزيج لثقافات العالم ، فسينمائيي العالم ومثقفيه وجمهور السينما من كل انحاء العالم على موعد سنوي مع ربيع السينما في كان .
هنا تصبح المدينة بكل شوارعها وساحاتها ومبانيها ومقاهيها وفنادقها جزءا من الكرنفال والمهرجان ، آلاف الصحافيين ومئات القنوات الفضائية وآلاف المصورين كلهم يشكلون بعدا آخر للمهرجان ، حتى انني كنت اجد صعوبة وانا اخترق تلك الحشود الحاشدة من الأعلاميين باتجاه العروض اليومية .
ومن المعتاد ان تجد جمهورا يفترش الأرض وينتظر ساعات وساعات من اجل الحصول على تذكره لمشاهدة فيلم من الأفلام فالحصول على تذكرة ليس بالأمر المتاح للجميع ولهذا لم استغرب يوم قالت لي سيدة فرنسية انها انتظرت طوال اليوم من اجل ان تحضى بدخول واحدة من صالات العرض لمشاهدة الفيلم اي فليم وهي واقفة الآن في الطابور الطويل قرابة غروب ذلك اليوم على امل ان تحضى بتذكرة دخول .
هذا وغيره تلحظه وانت تطأ كان للوهلة الأولى لكن هنالك ماهو غير مرئي بشكل مباشر وهو سوق الفيلم الذي يوفر مساحات للشركات العالمية الكبرى لتسويق اعمالها او التفاوض لغرض الأنتاج وحيث يمكن للمرء ان يستمتع بتلك الأجنحة المتعددة للدول وهي توفر مطبوعاتها وتروج لأنتاجها .
وهنالك اجنحة خاصة للمهرجانات الدولية وقد شاهدت جناحين عربيين واحد لدولة الأمارات حيث مهرجاني دبي والشرق الأوسط والآخر للأردن .
بالطبع تجري العروض في قاعات تستوعب اكثر من الفي متفرج بطوابق متعددة هذا فضلا عن القاعات متوسطة الحجم وكلها لاتكاد تغطي امكانية استيعاب الحشود الحاشدة .
كل شيء في كان يلتهب ، مشاعر الجمهور العادي عند مشاهدة كبار النجوم وهم يترجلون من سيارات الليموزين الفخمة مثل كلنت ايستوود وداستن هوفمان وانجلينا جولي وبراد بت و شين بين وغيرهم كثير من حضروا هذا العام وكما تلتهب مشاعر الجمهور لدى مشاهدة هؤلاء النجوم فأن اسعار كل شيء تلتهب ايضا ، من الطعام الى الفنادق الى سيارات الأجرة الى كل شيء فهذه ملامح من طقوس كان واجواؤه .
ولابد من العودة الى الهوية الثقافية للمهرجان وهذه الهوية ترسخت عبر عقود طويلة رسخ المهرجان من خلالها هويته الخاصة من خلال اقسام المسابقات والشروط الصارمة لقبول الأفلام ولجان التحكيم المتخصصة ، فهوية المهرجان تتلاحم فيها جغرافيا المكان والتقاليد السينمائية التي ترسخت عبر عقود وعقود ، فمن خلال المسابقة الرسمية يتبارى كل سينمائيي العالم كي يحققوا حلمهم في كان ، ونيل واحدة من جوائزه ومعلوم ان الفوز بجائزة ولو صغيرة من كان تمنح الفائز مؤهلا اضافيا وعنصر تميز وتمنحه ثقلا في تقديم ابداعه في اوساط السينمائيين ومنح جائزة من كان يسهل دون ادنى شك تسويق الفيلم وترويجه .
بالطبع هنالك المعارض المصاحبة والندوات الصحفية اليومية مما لاعد له ولاحصر هو والمطبوعات التي تجدها في كل مكان للحاق بجدول العروض وبرمجة الوقت واللهاث من قاعة الى اخرى منذ الصباح الباكر وحتى انتصاف الليل .وعلى هذا يتأسس استعداد نفسي مسبق لدى القادمين الى كان تصنعه هذه العوامل مجتمعة .
ان من المشاهد المذهلة في هذه الأزمنة هو تحول نجوم السينما الى كائنات اخرى كأنها غير بشرية بمعنى ان هذا الجمهور العريض في كان صار يرى في النجوم المفضلين لديه اشكالا اخرى تمتلك سحرا خاصا يدفع تلك الحشود الى اللهاث وراء ظهور هذا الممثل او ذاك .
دورة هذا العام اكتظت بعشرات الأفلام من كل انحاء العالم وسأسلط الضوء عند اهمها على الأطلاق ومما لفت الأنظار اكثر من غيره.
مما لاشك فيه ان للمخرج والممثل كلنت ايستوود حضوره المؤثر في تاريخ السينما الحديث وقد جاء للمهرجان بفيلمه المصنوع حديثا وهو التغيير والفيلم يحكي قصة السيدة كولنز ( الممثلة انجلينا جولي ) التي تفقد ابنها في ظروف غامضة في اثناء ذهابها الى عملها ولاتملك الا اللجوء الى الشرطة التي تبدأ بالبحث عن الطفل . تقع الأحداث في عشرينيات القرن الماضي فيما كانت الجريمة المنظمة تفتك بالمجتمع الأمريكي وبالأخص في مدينة كاليفورنيا حيث تعيش تلك السيدة المطلقة مع طفلها .
وبسبب الهجوم المتواصل من الرأي العام على شرطة المدينة بسبب تقاعسها عن ردع المجرمين بل وتورطها برشى في مقابل التستر على القتلة والمجرمين ، كل ذلك يدفع الشرطة الى انقاذ سمعتها وتجلب للمرأة ابنها المختفي وسط حضور الصحافة فلما تحضر الأم لتسلم ابنها تجده شخصا آخر غير ابنها وتخبر الشرطة بذلك لكنهم لن يستمعوا اليها ويجبرونها على قبول الطفل . وسط هذا كله تعاني المرأة من فقدان ابنها عاجزة عن ايجاد تفسير منطقي لما يحدث ، وعندها تخبر قس الكنيسلة الذي يقود الرأي العام ضد الشرطة ( الممثل البارع مالكوفتش ) الذي يوجه خطابا عبر الراديو الى الناس ويشجع المرأة على عقد مؤتمر صحافي لفضح الشرطة وتسترها وجلب طفل مشرد لها بدعوى انه ابنها لغرض اسكاتها .
وهنا تبدأ الحرب الشعواء بين المرأة والشرطة لتنتهي بألقاء المرأة في مصحة نفسية لتكتشف هول ماتفعله الشرطة ضد خصومها ومن يقف في وجهها آنذاك اذ ترميه في تلك المصحة الرهيبة ليتلقى صنوفا من العذاب ومنها استخدام الصعق الكهربائي .
هنا تبدأ حملة مالكوفيتش لأنقاذ المرأة ولكن خلال ذلك يداهم رجل شرطة منزلا بالصدفة فيكتشف عن طريق احد الأطفال المشردين ان ذلك المنزل ماهو الا المكان الذي مارس فيه احد القتلة السفاحين جرائمه البشعة باختطاف الأطفال وقتلهم بتقطيعهم اربا ثم دفنهم .
ويقلب هذا الحدث مسار سائر الأحداث رأسا على عقب ويدفع الشرطة الى التخلص سريعا من مأزقها بأطلاق المرأة من المصحة النفسية لتكتشف ان الصحافة تتحدث عن قاتل ابنها الحقيقي الذي قتل عشرين طفلا آخرين ، وتجري ادانة القاتل واصدار حكم الأعدام بحقه .
وسأكمل استعراض افلام اخرى في تجديد لاحق انشاء الله
خاص بجريدة عمان العمانية
جميع الحقوق محفوظة all rights reserved ).
photo by: j.Tachmintzis


ربيع سينما البلقان في مهرجان اوربي كبير

شيء ما عن مخلفات الحرو ب واجيال تبحث عن وجودها

انطلقت في العاصمة البلجيكية بروكسل مؤخرا اعمال المهرجان السينمائي لدول غرب البلقان الذي نظمته مفوضية الأتحاد الأوربي وهو مهرجان فريد من نوعه اذ لم يسبق للجمهور العريض ان تعرف على هذه السينما الا من خلال عروض الأفلام الفردية في دور السينما او في اطار هذا المهرجان او ذاك .
تجربة المهرجان وتحت رعاية مؤسسات الأتحاد الأوربي وفرت امكانية اخرى هي قراءة الحياة الأنسانية والأجتماعية لتلك المجتمعات التي كبدتها الأزمات الداخلية والحروب ماكبدتها من خسائر وماخلفته من مآس انسانية كان لها ابلغ الأثر على حياة ابناء تلك المجتمعات المأزومة .
الضحايا من عمليات التطهير العرقي في البوسنة والبانيا وصربيا وغيرها حفرت عميقا في الذاكرة الجمعية وخلفت وعيا مأزوما يستبد به القلق والرعب وتتناهبه اسئلة محيرة عن المستقبل والمصير المجهول .
ولهذا ليس مستغربا ان المرء وهو يشاهد افلام المهرجان يبحث عن اجابة لسؤال مسبق مفاده : اين الحرب ومآثارها ومخلفاتها على الحياة الأجتماعية للأفراد ؟
هذا السؤال المحير وغيره قدمته المخرج البوسنية ياسميلا زبانيتش في فيلمها كرابافيتشا ، وهو اسم احدى قرى البوسنة قرب سراييفو حيث هنالك السيدة عصمة ( الممثلة ميريانا كارانوفيتش ) التي تمثل صورة حية وواقعية مريرة لمخلفات ونتائج حرب البلقان ، فهي تعيش حياة طيبة مسالمة رغم ان احتمالات الفقر تلاحقها من كل جانب وهو مايؤرقها لاسيما وانها قد عنيت طويلا برعاية ابنتها الوحيدة المراهقة وجعلها تعيش حياة لاينقصها فيها شيء .
لكنها وهي تذود عن نفسها غلواء الفقر تلجأ الى خياطة الثياب لصديقاتها في مصنع الأحذية وفي الأخير تقرر العمل نادلة في ناد ليلي ، وخلال ذلك لاتنقطع عن الذهاب الى تلك المنظمات الخيرية التي تشمل النساء البوسنيات من ضحايا الحروب بالرعاية وكل املها في كل مرة تذهب الى هناك هو ان تحصل على مساعدة مالية تعينها في تسيير حياتها لكنها لاتتلقى شيئا سوى المشاهدة اليومية للنساء المحبطات المدمرات من جراء الحروب .
وتتضح صورة اخرى موازية من خلال حياة الأبنة المراهقة سارا ذات الأثني عشر عاما فهي غالبا ما تعرف بفسها بين زميلاتها وزملائها انها ابنة الشهيد في الحرب لكنها تردف ذلك بسؤال متواصل لأمها عن شكل وملامح ابيها الشهيد لأنها لم تره ، فتردد الأم مرارا وبطريقة مفرطة في الأنفعال الغاضب انها لاتشبه ابوها بل تشبهها هي ، اي الأم .
لكن مايتضح فيما بعد ومن خلال نوبات الغضب التي تجتاح الأم وشعورها المتواصل بالأحباط واليأس انها قد حملت بالطفلة في السجن وانها تعرضت مرارا لعمليات اغتصاب من حراس السجن وعندما شعرت انها حامل ارادت التخلص من الطفلة ولكن تشاء الأقدار ان تعيش الطفلة معها هذه الحياة المليئة بالمعاناة .يضاف لهذا انها مطالبة من قبل المدرسة اثبات ان زوجها شهيد لكي يتم اعفاء ابنتها من الرسوم الدراسية ولكنها تعلن انها لاتستطيع اثبات ذلك لأن الزوج اعتبر في عداد المفقودين في الحرب .
من هنا تدب مخلفات الحرب دبيبا صامتا في ثنايا الحياة في تلك المدينة الصغيرة البعيدة من اراضي البوسنة حيث جرت ابشع عمليات القتل والأغتصاب للنساء البوسنيات وخلفت آلافا من النساء اللائي تعرضن للأغتصاب .
انه شعور الرفض المتأصل ، رفض الواقع الذي تمارسه عصمة – الأم – لكنه رفض يذهب مباشرة الى المعاملة الصارمة للطفلة وصفعها مرارا حتى تنشأ علاقة كراهية بينهما وتدفع بالأبنة الى اقامة علاقة عاطفية مع مراهق وتقوم اثرها بحلق شعرها فيما يكون كل رصيد ذلك المراهق هو مسدس حقيقي خلفه له ابوه الذي قتل في حرب البوسنة ايضا وهو المسدس نفسه الذي تشهره الأبنة في وجه امها في نوبة من نوبات الصراع بينهما لكن النهاية تحتم التفاتة انسانية بين الطرفين عندما تذهب الفتاة في رحلة مدرسية وهنا يتأكد عمق العاطفة التي تربط الأم وابنتها .
المخرجة الشابة ياسميلا زبانيتش دخلت ميدان السينما ابتداءا من العام 1997 واخرجت عدة افلام وثائقية وهذا الفيلم هو اول افلامها الروائية .
واما من صربيا فقد قدم المهرجان فيلم حلم منتصف ليل الشتاء للمخرج كوران باسكاليفيتش الذي قدم فصلا آخر من فصول الدراما البلقانية وابعادها الأنسانية المعقدة ، لازار ( الممثل لازار رستفسكي ) يخرج توا من السجن بعد عشر سنوات دون ان نعلم بالضبط ماالذي ارتكبه لكي يسجن كل هذه السنوات لكن من الواضع ومن السياق ان الرجل قد تورط في اعمال عنيفة . المهم انه عندما يعود الى مسكنه القديم الذي تركه مجبرا لسنوات ، يفاجأ بأن هنالك سيدة – جاسنا زليكا- وابنتها تقيمان في المنزل بعد نزوحهما مجبرتين من البوسنة في اجواء حرب التسعينيات التي اجتاحت اراضي البوسنة وخلفت مئات آلاف العائلات المهجرة .
يحاول لازار ان يوجد حلا لهذه المشكلة لكن تعاطفه مع الأم وابنتها المعاقة يدفعه الى القبول بالأمر الواقع والعيش معهما بسلام .وخلال ذلك يتضح ماآل اليه هذا المجتمع بعيد الحرب فلازار يشعر بنفسه غريبا عن هذه البلاد والناس فيها وهو اذ يتجول بسيارته القديمة للأجرة فأنه يشعر بصعوبة الأندماج مع ما جرى ويجري وتتجسم المأساة في العدد الهائل من المعاقين من جراء الحرب ، وربما كانت الطفلة جوانا هي خير نموذج لضحايا تلك الحرب المروعة ، فهي تتحاشى ان تكون جزءا من الزمان والمكان وهي غاليا ماتصم اذنيها متحاشية سماع اي شيء من حولها ، فكل شيء بشع ومخيف كما انها تفتقد الى مشاعر الأبوة اذ ان ابوها هو الآخر كان قد قتل في حرب البوسنة .
وسط هذا السياق هنالك من يخطب ود المرأة الأرملة فيزورها في بيتها وبعد رفض منها لوجوده وفي نوبة عنف تنتهي بأن يغمد المقص في صدر المرأة وسط لامبالاة الطفلة المعاقة التي لاتفقه شيئا مما جرى حتى وصول لازار نفسه ليجد امامه ياسنا جثة هامدة يحملها في سيارته وقد فارقت الحياة ويبكيها بمرارة قائلا للطفلة انك انت التي بقيت لي في هذه الحياة لكن الطفلة تخرج من السيارة وسط بستان مهجور بعيد وتضيع في ارجائه ولانسمع غير صوت اطلاقة لم نعرف من اين ولا من اصابت ولكن النهاية المفتوحة تنبئ بأن لازار قد اطلق النار على نفسه بعدما يئس من حياته وبعد فقده ياسنا وجوانا .
المخرج كوران باسكاليفيتش هو مخرج مخضرم ومعروف تخرج في معهد السينما في براغ واخرج حتى اليوم قرابة 30 فيلما وثائقيا وثلاثة عشر فيلما روائيا طويلا وافلامه شاركت في العديد من المهرجانات الدولية .وهو يعلق على فيلمه هذا في احدى اللقاءات الصحافية قائلا " لقد قدمت شخصيتين شعرت انهما سجينتان ، الطفلة المعاقة جوانا هي اسيرة داخل عقلها وتصوراته المحزنة ومخاوفها واما لازار فهو يعيش سجنا آخر اسمه سجن الحياة الكبير وكلاهما ضحيتان صارختان من ضحايا الحرب ".
ومن كرواتيا يقدم المخرج انتونيو نويك فيلمه " كل شيء مجانا " ويحكي قصة الشاب كوران ذو الثلاثين عاما – الممثل انس بيسلاكيتش – الذي يفقد كل اصحابه تقريبا في الحرب ويشعر انه وحيد وغريب بعيد عن اولئك الأصدقاء وفي محاولته لملمة مشاعره المبعثرة بسبب موجة عاطفية تعصف به من الحنين لذكرياته ، يقرر ان يبيع كل شيء ويذهب الى مدينة اخرى ينقطع فيها عن ذلك الماضي ويحاول نسيانه ، وهنا يجد عجوزا يدير سيارة في شكل مطعم ومقهى صغير- كارافان - فيشتريها منه ويرتحل الى مدينة كرواتية بعيدة حيث يبدأ بتقديم الطعام والشراب مجانا للزبائن وهو يفعل ذلك وسط استغراب الجميع واستمتاعه هو بما يفعل من اجل كسب مزيد من الأصدقاء وهو يفعل ذلك بطريقة لاشعورية فضلا عن كونه يشعر بلاجدوى كل شيء .
لكنه يجد نفسه في مواجهة رجل شرير يدير مقهى كبيرا ولأن مافعله كوران ادى الى استقطاب الزبائن عن مقهاه فأنه يهدده ويأمره بالذهاب بعيدا ولما يمتنع يسلط عليه اثنين من عتاة الأجرام الذين يذهبون بسيارته بعيدا ويضربونه ضربا مبرحا .
لكنه خلال ذلك يشعر بتعاطف زوجة شقيق ذلك الرجل الشرير التي تطلب منه ان يكون قويا ولايلتفت الى تهديداته ، وهو سرعان مايتعلق بالفتاة بعد ان تروي له قصة فقد زوجها في الحرب ، لكنها تجد نفسها مرة اخرى في مواجهة ذلك الرجل الشرير ، شقيق زوجها المفقود في الحرب ، الذي يضبطها وهي في صحبة كوران مواصلا تهديده ، فمايكون من كوران الا الأنسحاب من الموقف كله وقيادة سيارته بعيدا بعيدا وهو ثمل وضائع بعدما كانت تلك الفتاة آخر ملاذاته وآماله لكنه يفقدها هي الأخرى .
المخرج انتونيو هو من مواليد 1977 في سراييفو وتخرج من معهد السينما والتلفزيون في زغرب وهذا هو فيلمه الروائي الأول .
ومن كرواتيا يقدم المخرج انتونيو نويك فيلمه " كل شيء مجانا " ويحكي قصة الشاب كوران ذو الثلاثين عاما – الممثل انس بيسلاكيتش – الذي يفقد كل اصحابه تقريبا في الحرب ويشعر انه وحيد وغريب بعيد عن اولئك الأصدقاء وفي محاولته لملمة مشاعره المبعثرة بسبب موجة عاطفية تعصف به من الحنين لذكرياته ، يقرر ان يبيع كل شيء ويذهب الى مدينة اخرى ينقطع فيها عن ذلك الماضي ويحاول نسيانه ، وهنا يجد عجوزا يدير سيارة في شكل مطعم ومقهى صغير- كارافان - فيشتريها منه ويرتحل الى مدينة كرواتية بعيدة حيث يبدأ بتقديم الطعام والشراب مجانا للزبائن وهو يفعل ذلك وسط استغراب الجميع واستمتاعه هو بما يفعل من اجل كسب مزيد من الأصدقاء وهو يفعل ذلك بطريقة لاشعورية فضلا عن كونه يشعر بلاجدوى كل شيء .
لكنه يجد نفسه في مواجهة رجل شرير يدير مقهى كبيرا ولأن مافعله كوران ادى الى استقطاب الزبائن عن مقهاه فأنه يهدده ويأمره بالذهاب بعيدا ولما يمتنع يسلط عليه اثنين من عتاة الأجرام الذين يذهبون بسيارته بعيدا ويضربونه ضربا مبرحا .
لكن تلك الشعارات تتعرض للأنجراف من جراء الأمطار او من جراء عبث قطعان الأغنام والماعز اثناء مرورها على تلك الشعارات ولهذا يتم توجيه مجموعة من الشرطة لمراقبة مايجري لتلك الصخور اي الشعارات ولسوء حظه يمر الراعي (سلمان توسكا ) بمنطقة الشعارات وسرعان مايلقى القبض عليه بتهمة الخيانه العظمى وانه السبب في تخريب الشعارات ، ورغم دفاعه عن نفسه ودفاع اندريه ايضا الا ان ذلك لايشفع من احالته الى البوليس السري في مشهد محاكمة عاجلة يشهده ابناء القرية صغارا وكبارا .
واما الأطفال الصغار في المدرسة فيلقون من سوء المنعاملة مالايوصف حيث يقوم مدير المدرسة بأهانتهم وصفعهم وجر آذانهم باستمرار ، ويقدم المدير ومسؤول الحزب في القرية صورة بشعة اخرى يحاكون فيها طفلا لايتعدى الثانية عشرة من عمره على مخالفة بسيطة وينادونه مرارا ( ايها الرفيق ...هلا اخبرتنا عن سبب خروجك على القانون ).
وسط هذه القتامة يرصد اندريه بصمت وحزن مايجري وينجذب الى زميلته المعلمة في المدرسة ويتشاركان ذلك العناء وبسبب غيرة المسؤول الحزبي في القرية من اندريه لعلاقته العاطفية بتلك الفتاة ولكونه وقف يوما لمساندة سلمان توسكا الذي ارتكب خيانة بحق الوطن بتخريبه للشعارات الحزبية كما يقول مسؤول القرية ، تتم معاقبة الفتاة بنقلها الى مدرسة نائية ومعاقبة اندريه بأن يعمل فلاحا في الحقول لفترة من الزمن .
تراجيديا سريالية قاتمة تري الجميع ماكانت ترزح تحته تلك البلاد من ظلم ومصادرة لأبسط صور الكرامة الأنسانية ، انه وجود مهمش ومقفل والحياة في تلك القرية ماهي الا صورة مصغرة للحياة في بلاد او بلدان طالما رزحت تحت سطوة الأنظمة الدكتاتورية الشمولية البشعة .
بالطبع قدم المهرجان على امتداد ايامه افلاما اخرى لعدد من المخرجين في البلقان ، الا ان هذه الأفلام التي اتينا على ذكرها تعد الأبرز والأكثر اهمية من بين غيرها من الأفلام .حيث عرض فيلم " ارمين " للمخرج الكرواتي اونجين سيفيتيش و فيلم " هدرفلد " للمخرج الصربي ايفان زيكوفتش وفيلم " ظلال " للمخرج المقدوني ميلكو ماتشيفسكي وفيلم " الأب والجد " للمخرج الألباني ديميتر اناكنوستي
خاص بجريدة عمان العمانية.


مهرجان الخليج السينمائي

نجاح في احتضان الأبداع الفيلمي...نظرة في افق الدورات المقبلة


* جريدة عمان العمانية 30-4-2008

مما لاشك فيه ان الحديث عن المهرجانات في العالم العربي يحتل مساحة من اهتمام السينمائيين ونقاد السينما فضلا عن الجمهور العادي . ولطالما كانت هنالك نظرة ترى في كثير من المهرجانات انها لاتتعدى تظاهرة احتفالية تقام هنا او هناك بالأخص عندما يتم تجييرها لصالح النظام او السلطة في هذا البلد او ذاك باعتبارها راعيا وممولا للمهرجان .
اما الحال في اطلاق مهرجان الخليج السينمائي فهو مختلف تماما ، القصة مع هذا المهرجان انه اول مهرجان عربي اقليمي متخصص بأفلام منطقة الخليج العربي بسبب تناغمها في الثقافة وتقاربها الجغرافي ومزيد من العوامل المشتركة التي تجعل من مسألة التقارب بين سينمائيي هذه المنطقة حقيقة واقعة .
لقد شعرت بحماسة لهذا المهرجان منذ اطلاق فكرته الأولى فهو في فكرته يعد جريئا في تأسيسه لتقليد غير مسبوق عربيا والمسألة الأخرى هي ان اطلاق المهرجان واقامته لم تأخذ وقتا كافيا او طويلا حقا وربما دار في خلد المنظمين او غيرهم تساؤل واقعي حول حجم المشاركات ونوعها .
ولو نظرنا نظرة موضوعية الى العديد من المهرجانات العربية التي لكل منها اجندته واهدافه وانفتاحه على العالم وقارنا ذلك بمهرجان الخليج لوجدنا ان هذا المهرجان قد اكد هوية خالصة صافية تعكس اهتمامات ونواحي حياة شعوب هذه المنطقة كما انه رسم اطارا شاملا للواقع الثقافي والأنساني الذي يميزها .
فالحياة التي قدمتها الأفلام المشاركة وعكستها لم تكن الحياة النمطية التي تشاع عادة عن بلدان الخليج الثرية حيث ابراجها وعماراتها الشاهقة او من جهة اخرى حيث هنالك لكل منزل بئر نفط وقافلة من الجمال والحريم بحسب المنظور الأستشراقي المضلل المغرض والمفرط في المصادرة والتشويه المتعمد .
لقد قدم المهرجان صورة موازية لجوانب عديدة من الحياة الأجتماعية والثقافية في هذه المنطقة متجاوزا كل تلك الكليشيهات التي عبأت الأذهان طويلا : كانت هنالك الحياة التقليدية للبحارة والصيادين وهي الصورة التقليدية لكثير من بلدان الخليج حيث كفاح الأنسان من اجل الحياة قبيل عصر النفط .
وكان هنالك شباب طامحون للحياة يتنفسون حياة معاصرة ويبحثون لأنفسهم عن افق اكثر اتساعا .
كانت هنالك حياة وديعة ومسالمة تدب في ثنايا اكثر من بلد خليجي .
هذا اذا شئنا الحديث عن الأطار العام للمهرجان ، اما اذا انتقلنا الى ماهو فني ، فأن فكرة اجتياز الألف ميل تبدأ من خطوة واحدة تصح على الأفلام المشاركة فللمرة الأولى يجد السينمائيون الخليجيون انفسهم يتبارون ويتنافسون مع زملاء لهم من ابناء منطقتهم الأقرب وهو ما منحهم ثقة كافية وانتماءا للمهرجان كونه اكثر قربا منهم ، وتاليا كان هنالك وعي بضرورة ان يقدم الجميع ماهو افضل في الدورات المقبلة انشاء الله مستفيدين من تجربة المهرجان من جهة ومن الأطلاع على افلام وتجارب الآخرين .
واجد من المهم القول ان هنالك دوافع متنامية ماانفكت تحرك السينمائيين في الخليج باتجاه صناعة الفيلم وصار هنالك شعور عام يتنامى مفاده ان هذه البلدان وطاقاتها الشابة من السينمائيين الواعدين قادرون على صنع سينما جديدة وانتاج افلام تعكس بمصداقية وتوازن الحياة الأجتماعية للناس في هذه البلدان .
ولعل السؤال الذي يتبادر الى الذهن في ختام المهرجان وللتوصل الى المحصلة من المهرجان هو : هل تحتاج بلدان الخليج الى الميزانيات الضخمة لغرض انتاج افلام عظيمة وكبيرة تنافس بلدان العالم الأخرى وتتنافس في المهرجانات الدولية ؟ والجواب على ذلك ، ان السينما الناشئة في العديد من بلدان الخليج تتطلب حقا دعما مؤسساتيا وتشجيعا حقيقيا ولكن ذلك لايعني مطلقا ان البديل هو التمويل الضخم ، من منطلق واقعي ان هذه السينما الناشئة ماانفك مبدعوها يجربون انفسهم ويقدمون اعمالهم التسجيلية والقصيرة وهي اعمال قليلة التكلفة وبلا متطلبات انتاجية كبيرة بمعنى ان امكانية انتاج مزيد ومزيد من هذه الأفلام قائم ومتحقق من منطلق امكانية الدعم الذي سيؤدي الى بث الحياة في مفاصل الحياة السينمائية في هذه البلدان من جهة ويعزز الثقة في المستقبل حيث يمكن عندها ان تنضج الكوادر السينمائية وتصبح مؤهلة كي تحتل دورها في الأنتاج الأكثر تكلفة .
من هنا ارى ان على دول الخليج ان كانت تطمح الى النهوض بهذا القطاع ان تعزز من دور وفاعلية هذا الجيل الشاب الواعد من السينمائيين
وأرى في السينما في الأمارات تجربة جيدة من خلال الأنطلاقة الناجحة لتجربة ( افلام من الأمارات ) التي قدمت العديد من صانعي الفيلم الشباب مثل : نواف الجناحي وهاني الشيباني وعبد الله حسن احمد وخالد المحمود وغيرهم ..
وتبع ذلك ماشهدناه في المهرجان من منح جوائز لكتاب السيناريو لغرض انجاز افلام مأخوذة او معدة عن سيناريوهاتهم وهي تجربة جيدة فضلا عن توفر الدعم الحكومي المباشر لأنتاج الأفلام من خلال المنح التي تقدمها بعض مؤسسات الحكومة .
ومن جهة اخرى اجد ان بلدان الخليج مطالبة بصفة عامة ايلاء الأنتاج الفلمي اهمية اكبر دعما ورعاية وتمويلا وتسويقا وان يكون مهرجان الخليج في السمتقبل المنظور سوقا للفيلم الخليجي يتيح للسينمائيين الخليجيين تسويق اعمالهم واظن هذه الخطوة مهمة لترسيخ هذا المهرجان وتعميق هويته واهدافه فضلا عن المطالبة بترسيخ فكرة تمويل الأفلام من خلال مسابقة سيناريو الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والتسجيلية وتحويلها الى مسابقة خليجية وليس اماراتية فحسب وبشكل يتيح لكتاب سيناريو هذه الأفلام او المتقدمين بها ان ينتجوا افلاما من خلال جوائز المهرجان المالية والمنح التي تقدمها الشركات او المؤسسات الخليجية .
ان ترسيخ دور الجهات الراعية والمانحة في صناعة الفيلم هو عنصر اضافي يدفع باتجاه مزيد من المنجز الأبداعي المقبل .
وبموازاة ذلك لابد من تأكيد وتعميق الحوار الخليجي – الخليجي بين صانعي الفيلم في هذه البلدان لأيجاد سبل التعاون وتاليا الأنتاج المشترك وتبادل الخبرات .
وعلى هذا ارى من المهم ان يشتمل المهرجان في دوراته المقبلة انشاء الله على ورش عمل صغيرة على هامش المهرجان ، واتفق مع من يقول ان لاجدوى من جلسات النقاش المفضي للأختلاف التي درجنا عليها ، لكنني لست ارى ذلك سببا كافيا لعدم التفكير في ورش العمل المتخصصة وايجاد محاور للنقاس في صيغة اوراق عمل تشتمل علي ايجاد سبل الأنتاج المشترك الخليجي .
وفي المقابل سيكون مفيدا ان ينظم المهرجان ايضا سوقا للسيناريو او بنكا للأفكار الفيلمية بمعنى ان يتيح الفرصة لأي كاتب سيناريو خليجي ان يقدم او يعرف بالسيناريو الذي كتبه من اجل ايجاد مصدر للتمويل او الأتفاق على الأنتاج .
وذلك يعني بالنسبة لي ان يكون المهرجان خليجيا خالصا تستبعد فيه الأفلام الأجنبية حتى ولو كانت خارج المسابقة لأنها يمكن ان تعرض وتشاهد في مهرجانات عربية اخرى لها هويتها واهدافها واستراتيجيتها المختلفة عن مهرجان الخليج في خصوصيته وأهدافه وذلك احد عناصر تميزه واختلافه عن سائر المهرجانات الأخرى التي تتيح عرض الأفلام من جميع ارجاء العالم .
من هنا ارى ان فكرة المهرجان واهدافه ستترسخ قدما فيما لو تم تحويل المهرجان من اطاره المتخصص بعروض الأفلام ومنح الجوائز فقط الى اهتمامه بتأسيس ورش عمل مصاحبة للعروض والمسابقة تتيح الترويج للفيلم الخليجي كما تفتح امام السينمائيين الخليجيين آفاقا واسعة للعمل المستقبلي من خلال العثور على مصادر التمويل والترويج والتسويق ذلك اني ارى في هذا المهرجان الأقليمي الجديد ارضا خصبة لمزيد من الأبداع الخليجي لاسيما وأن منظمي الدورة الأولى قد سجلوا نجاحا تنظيميا وأداريا ملحوظا على جميع المستويات وترسخت فكرتهم ومشروعهم الجرئ في تنظيم مهرجان الخليج وهو مايحسب للسيدين عبد الحميد جمعة ومسعود آل علي ومساعديهم من سينمائيين وفنيين واداريين رغم ضيق الوقت للتحضير للمهرجان .

السينمائيون العراقيون يحصدون اهم جوائز مهرجان الخليج السينمائي

فازوا بسبعة جوائز كبرى للفيلم الطويل والوثائقي وجوائز اخرى لأفلام الطلبة

دبي – : د.طاهر علوان

لم اكن احسب اني سأمر من هناك ، ان الطائرة التي سافرت عليها ستمر بأفق العراق وسمائه وتمضي زهاء الساعة ونصف الساعة في التحليق في اجواء العراق ابتداءا من شمال العراق مرورا بكركوك فديالى فبغداد فالحلة فالعمارة فالبصرة فالخليج ، كان حقا شعورا ملتبسا بين الدهشة والسعادة والظمأ لمشاهدة العراق ممتدا عبر الفضاء الأثيري ومن خلاله ليؤكد هذا الوطن انه هنا او هناك موجود وحي بمدنه في الشمال وحتى آخر نقطة في الجنوب حتى الخليج .
كانت تلك البداية قد شحنت مشاعري وخيالي بمن سألتقي من الوجوه التي احب ، وهكذا كنا في دبي في مهرجان الخليج السينمائي .
كانوا ثلة اما من طلابي في السابق او من زملائي ، وكلهم جاؤا الى مهرجان الخليج حاملين افلامهم التي تفيض بمشاعر الأسى وتداعيات الخراب والدمار الذي تحمله هذا الوطن دونما ذنب سواء في ظل الدكتاتورية الآثمة او تحت الأحتلال الآثم .
ربما هي المرة الأولى منذ العام 2003 وحتى الساعة التي تتاح فيها الفرصة للمبدعين القادمين من العراق ان يلتحموا بروحية وفد ثقافي وسينمائي واحد مع زملائهم من سينمائيي دول الخليج وان يمثل السينمائيين العراقيين بهذا الوفد الكبير .
كانت السعادة بالمشاركة تسبق كل شيء والثناء لمنظمي المهرجان وخاصة الأخ والصديق مسعود امر الله رئيس المهرجان الذي له الفضل الكبير في اتاحة هذه الفرصة وحيث ابدى حرصه الشديد على حضور السينما العراقية في هذا المهرجان في دورته الأولى بالأضافة الى راعي المهرجان الأستاذ عبد الحميد جمعة .
بالطبع حضرت (جمعية سينمائيون عراقيون بلا حدود) من خلالي ومن خلال اخي وصديقي الدكتور عمار العرادي بكل قوة واكدت للجميع انها البديل الفاعل لتقديم السينما العراقية لجمهور عريض لم يقرأ من الواقع العراقي غير ما تقدمه اغلب وسائل الأعلام من تفاصيل مليئة بكل اشكاال التشويه والأساءة لمشاعر العراقيين تسندها ثلة من الطائفيين المرضى الذين لايملكون غير الطائفية لغة وسلاحا خرب المجتمع واساء اساءة بالغة للأنسان العراقي وكرامته وقدمه للآخرين على انه عدواني لايملك غير لغة العنف والكراهية لمن هو من غير ملته او طائفته وهو ماصار يثير القرف والغثيان من خلال الوجوه التي استهلكت نفسها واحترقت اوراقها من الذين ظن العراقيون انهم جاؤا بالمن والسلوى فأذا بهم يواصلون مشوار الطاغية المنبوذ وعصابته الآثمة ولكن في صيغة اخرى .
المهم ، جاء العر اقيون بلا تصنيف مذهبي ولا عرقي ، جئنا جميعا وتقاسمنا كل ايام المهرجان ودقائقه وثوانيه في حضور عراقي ملفت للنظر الى جانب السينمائيين من دول الخليج : السعودية ، البحرين ، الأمارات ، قطر ، الكويت ، عمان .
كان حضورنا في شكل وفد تلقائي ، حتى ان احد الصحافيين سألني مستغربا : هل جئتم الى المهرجان في صيغة وفد واحد ؟
وبالطبع كان الجواب اننا لم نكن وفدا من اية جهة حكومية او حزبية او دينية من داخل العراق ، بل كنا وفدا واحدا بمشاعرنا والأبداع الذي حملناه لنري الآخرين صورة اخرى للعراقيين في ابداعهم .
جاء السينمائيون العراقيون مشاركين بالأفلام العراقية الآتية :
فيلم (يوم في سجن الكاظمية للنساء ) اخراج عدي صلاح –شارك المسابقةالرسمية للسينما الوثائقية
فيلم (دار دور ) اخراج اسعد كريم –شارك في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة .
فيلم (طريق الموت ) اخراج سنان نجم – شارك في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة
فيلم (شمعة لمقهى الشهبندر ) اخراج عماد علي – شارك في المسابقة الأفلام الوثائقية للطلبة .
فيلم ( غريب في وطنه ) اخراج حسنين الهاني – شارك في المسابقة الأفلام الوثائقية للطلبة
فيلم ( دكتور نبيل ) اخراج احمد جبار – شارك في مسابقة الأفلام الوثائقية للطلبة
فيلم ( الرحيل ) اخراج بهرام الزهيري –شارك في مسابقة الأفلام الوثائقية للطلبة
فيلم ( البقاء ) اخراج مناف شاكر – شارك في مسابقة الأفلام الوثائقية للطلبة
فيلم ( التفكير في الرحيل ) اخراج هبة باسم – شاركت في مسابقة الأفلام الوثائقية للطلبة
فيلم (خوذة مثقوبة ) اخراج مصطفى هادي – شارك في الأفلام القصيرة للطلبة
فيلم ( تقويم شخصي ) اخراج بشير ماجد – شارك في مسابقة الأفلام القصيرة للطلبة
فيلم ( ليالي هبوط الغجر ) اخراج هادي ماهود – شارك في المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية
فيلم (احلام ) اخراج محمد الدراجي –شارك في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة
اضافة الى فيلم المخرج المقيم في الدنمارك طارق هاشم : كلكامش دبليو 21
....اذا هي 14 فيلما جاءت محملة بمفهوم التحدي واثبات الوجود : لااحد في العراق يدعم السينما ، لااحد يمنح مالا لتشجيع صانعي الفيلم لااحد يكرم السينمائيين العراقيين ولو بدينار واحدا ابدا ، لااحد يحمي السينمائي العراقي وهو ينزل الى الشارع حاملا كامرته ومقدما صدره لمجرمي العصر من القتلة والسفاحين من مافيات الجريمة من كل لون .
ومع ذلك جاء السينمائيون العراقيون وبالأخص منهم طلاب وخريجي كلية ومعهد الفنون الجميلة يسندهم فقط حبهم لبلادهم وتشجيع اساتذتهم في هذه الكلية والمعهد وتشجيع عائلاتهم واصدقائهم لاغير ...لاجهة رسمية فكرت ولا اهتمت بهم ..ولاشجعتهم ولاشدت من ازرهم ..
وحتى هنا في دبي وطيلة ايام المهرجان وبالرغم من اللقاءات الصحافية العديدة مع السينمائيين العراقينن والتغطيات اليومية للمهرجان التي عرفت بمنجز السينمائيين العراقيين الا ان من السخرية ان لاتجد ممثلا لسفارة العراق كلف نفسه عناء المجيء ومساندة هذه النخبة الواعدة ولاحتى ارسل كلمة تحية لهم على نجاحهم وتحديهم لكل الصعاب كما تخلفت قنوات فضائية عراقية مليئة بصخب الأدعاء في برامجها ، تخلفت وتوانت عن مساندة هؤلاء المبدعين وامتنعت عن تلسيط الضوء عليهم وربما اغاضها هذا النجاح الكبير كما اغاض من قبل بعض من يتبجح بحمل لواء السينما العراقية في المهرجانات العربية وغير العربية فلما صدمته تلك القافلة من المخرجين كان له ماكان من ارق وقلق .
في كل حال ..كان حفل التتويج وتوزيع الجوائز مفاجأة عظيمة وفرحة لاتوصف للمخرجين العراقيين حيث فاز السينمائيون العراقيون على النحو الآتي :
في فئة الأفلام الوثائقية للطلبة فاز بالجائزة الأولى فيلم "رحيل" من إخراج بهرام الزهيري
في فئة الأفلام الروائية الطويلة – المسابقة الرسمية فاز بالجائزة الأولى فيلم " احلام " من اخراج محمد الدراجي
في فئة الأفلام الوثائقية للطلبة فاز بالجائزة الثالثة فيلم "شمعة لمقهى الشاهبندر" من إخراج عماد علي
في فئة الأفلام القصيرة للطلبة فاز فيلم "تقويم شخصي" من إخراج بشير الماجد
في فئة االأفلام الوثائقية- المسابقة الرسمية فاز بالجائزة الثالثة فيلم "يوم في سجن الكاظمية للنساء" من إخراج عدي صلاح
في فئة االأفلام الوثائقية- المسابقة الرسمية فاز بشهادة تقدير فيلم "ليالي هبوط الغجر" من إخراج هادي ماهود
فيما حصل فيلم المخرج المقيم في الدنمارك طارق هاشم : كلكامش دبليو 21 بجائزة من لجنة التحكيم الا انه وجه نقدا لاذعا للمهرجان في اثناء تسلمه تلك الجائزة المهمة والكبيرة .
ولابد لي هنا من الأشادة بمواقف ومشاعر الأصدقاء الأعزاء المقيمين في الأمارات الذين ساندوا وحضروا الى المهرجان وشاركوا السينمائيين العراقيين وهم كل من الفنان الموسيقي المبدع سلطان الخطيب والصحفي والفنان المسرحي ظافر جلود والفنان المسرحي حسين محمود .
مبروك للسينمائيين العراقيين في كل مكان هذا الفوز اللامع ، مبروك للمبدعين العراقيين المخلصين هذا النجاح الكبير ..مبروك
للعراق هذه النخبة المتميزة من مبدعيه ..

http://www.kitabat.com/i37947.htm



يوميات من الحرب في العراق :احدث افلام المخرج الكبير برايان دي بالما


مما لاشك فيه ان موضوع حرب العراق كان ومازال شغلا شاغلا في الأوساط الأعلامية والرأي العام في كل ارجاء العالم ، هذه الحرب المدمرة التي اتت على ارواح مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء ومازالت تطحن المزيد وبسببها تراق انهار من الدماء ويفقد الناس احساسهم بالأنتماء فضلا عن فقدانهم لأبسط متطلبات العيش اللائق بالبشر . ولعل من يقرأ تقرير منظمة العفوالدولية الصادر حديثا ستتضح امامه جسامة الفجيعة .
من هذا كله ووسط رأي عام امريكي مقابل يضغط كل يوم لأنهاء المهمات الحربية وعودة القوات الأمريكية الى بلادها ووسط احتدام سياسي يتمثل في صراعات المصالح والصراعات الدولية والأقليمية ومجاميع الضغط تبرز هنا وهناك اصوات قوية ليست معنية تماما بالوقوف مع او ضد بقدر محاكمة الواقع محاكمة موضوعية وقراءة مايجري بعين راصدة بعيدة عن الأنحياز او تزوير الحقائق او التعتيم عليها او تجميلها لتغدو مقبولة للمشاهد .
من بين هذا كله يأتي فيلم المخرج الأمريكي القديربرايان دي بالما الذي حمل عنوان (ريداكتد : اي منقح بتشديد وفتح القاف )والذي يعرض الآن في العديد من الصالات في انحاء العالم ولكن بصمت ودونما ضجيج ولاترويج اعلامي بل بقدر من التحفظ واللامبالاة تارة ومحاربة الفيلم ومقاطعته من قبل بعض الجهات المساندة للحرب في الولايات المتحدة تارة اخرى .
يعرض الفيلم الآن في الصالات البلجيكية ومؤخرا اعلن عن عرضه في بريطانيا ولااعلم ان ان كان قد جرى او يجري عرضه في بلدان اوربية اخرى فقد جاء الفيلم وحل في الصالات دونما مقدمات وفي وقت تجد اعلانات في محطات الميترو والأماكن العامة الأخرى لأفلام اقل قيمة من فيلم دي بالما نجد هذا الفيلم منسيا تماما بل يكاد ان يكون مهمشا بل ان هنالك موقعا لليمين المتطرف والمنتفعين من المأساة يدعو صباح مساء لمقاطعة الفيلم ومقاطعة المخرج الكبير دي بالما بالرغم من منجزه السيمنمائي الضخم وحضوره المشهود على مستوى السينما في العالم ، انجازا ومهرجانات .
الفيلم يقدم وقائع يومية من حياة العراقيين تحت الأحتلال من جهة وحياة الجنود الأمريكان اليومية من جهة اخرى لكنه ينطلق من واقعة قيام جنود امريكان باغتصاب فتاة عراقية قاصر وهي قصة معلومة وجرى تداولها اعلاميا والواقعة حصلت في مدينة المحمودية العراقية جنوب بغداد وكانت ضحيتها الطفلة عبير الجنابي وأسرتها .
على هذه الخلفية يبدأ دي بالما فيلمه بمقدمة سرعان ماتنطمس كلماتها تباعا وكأن هنالك سلطة رقابية تمحو الكلمات و لاتريد لها ان تظهر على الشاشة ولهذا ليس مستغربا ان يحمل الفيلم اسم( ريداكتد ) اي منقح ، بمعنى مايقوم به فرد او سلطة (بتنقيح ) نص في اقرب مايكون الى سلطة الرقابة .
على هذه الفرضية اجدني بعد عرض الفيلم متفقا مع دي بالما بأن ماعرضه هو منقح حقا من جهة كونه مجرد جزء صغير وبسيط من دراما هائلة لاحد لها جرت وتجري وقائعها ليل نهار وفي كل لحظة وثانية ودقيقة على ارض الرافدين .
فالحياة اليومية لشريحة من الجنود هي نفسها التي تجدها مستنسخة مكررة كل يوم وكذلك الحياة اليومية للعراقيين ودائما حلقة الوصل بين الطرفين التي يقدمها الفيلم هي نقاط التفتيش ، اجل ، هذا هو اختيار دي بالما ، ان تكون هذه النقاط هي القناة الوحيدة التي يعبر من خلالها الطرفان عن وجودهم المبهم ، العابرون الى شؤون معاشهم اليومي من العراقيين يجدون انفسهم في مواجهة سؤال يحتاج الى اجابة هو انهم : متهمون حتى يثبت العكس .. يتهمهم الجنود المقيمون على نقاط التفتيش ويضعون الف علامة استفهام مفادها فقدان الثقة بين الطرفين بشكل مطلق ، واما الجنود فهم يصنعون لأنفسهم ترسانة تتمثل في نقاط التفتيش تحول بينهم وبين الواقع الجديد الذ ي يجدون انفسهم في مواجهته في كل يوم وساعة ، واقع لاعلاقة لهم به ولايعلمون كيف ومتى الخروج منه ولذلك فهم يحاولون الأنشغال عن ذلك بممارسة الهوايات اليومية ومنها هواية التصوير بكاميرة الفيديو الشخصية .
وحقا تلعب كاميرة الفيديو دورا بالغ الأهمية في هذا الفيلم ، اذ ان البناء الفيلمي على غير العادة في اي من افلام دي بالما المخرج المحنك ذو الخبرة الواسعة والتجارب العميقة والمتعددة ، على غير العادة يتجه الى معالجة فيلمية تقوم بالدرجة الأساس على مستويات اربع :
الأول : هو تسجيلات الجنود ليومياتهم بكاميرة الفيديو الخاصة بكل منهم وتوظيف كاميرات المراقبة داخل الثكنة العسكرية وهو ماتستشعر به من خلال زوايا التصوير .
الثاني : هو تغطيات القنوات الفضائية وخاصة احدى القنوات الفرنسية والعربية لما يجري في العراق .
الثالث : هو مواقع التشات اليومية على الشبكة من خلال حوارات الجنود مع عائلاتهم وموقع يو تيوب الأكثر شعبية .
الرابع : هو الحياة المعتادة للجنود وردود افعالهم اليومية ازاء ما حولهم وكذلك نزعاتهم الشخصية وغرائزهم ولهوهم وماالى ذلك .
ولعل هذه المعالجة الفيلمية هي التي سعى من خلالها دي بالما الى محاولة النأ ي بنفسه كي لايتهم بشكل صارخ انه ضد العمليات العسكرية في العراق وضد الحرب في العراق برمتها بل وضد السياسات التي افضت الى هذه المحصلة ، لقد حاول ان يكثف الى اقصى مايستطيع من قيمة وقوة الوثيقة الصورية – الصوتية القادمة من الميدان ومن الواقع ، الحقائق كما هي وكما تتناقلها وكالات الأنباء والمحطات التلفزية .ولهذا لعبت هذه الوثائق دورا بالغ الأهمية في الفيلم بل ان هذا المزيج المقصود من الوثائق قد اضفى على فيلم دي بالما طابعا مختلفا تماما عن سائر افلامه الأخرى وجعل المشاهد امام سؤال محدد مفاده : اليست هذه هي الحقائق اليومية التي نعلمها ونعيشها وندرك تفاصيلها ونتعايش مع معطياتها الفاجعة كل يوم ؟ اليست هذه الصور نسخ تتكرر على الشاشات التلفزية في كل يوم ؟ اليست هذه المصادمات امر واقع في الحياة العراقية اليومية تحت الأحتلال ؟
اذا : هل كان دي بالما مخلصا وصادقا ومحايدا حقا في نقل الحقيقية ؟ لكن السؤال الموازي هو : وهل ان من وظيفة المخرج ان يتولى هذه المهمة وبالأخص في وزن وثقل هذا المخرج الكبير ؟ .
اسئلة محددة من بين سيل آخر من الأسئلة لاتملك الا المضي معها وليس مستعجلا الحصول على الأجابة الكلامية فالأجابة الصورية عبر الفيلم هي ابلغ واشد تأثيرا.
على هذا يقوم الجندي انكل سالازار بالتصوير يوميا وكأنه يسعى الى انجاز فيلم وثائقي للحياة اليومية للجنود في الثكنة ، واقعيا تجد ان المخرج يختصر كل تلك الجعجعة الهائلة واهوال الحرب في اطار المهام اليومية لجنود هذه الثكنة وكأنه يختزل كل ذلك في حدود شريحة منتقاة يمثلها اولئك الجنود في الثكنة .
وهم انفسهم الذين ستخرج منهم دورية قتالية تدهم منزل الطفلة عبير الجنابي في المحمودية غرب بغداد ويقوم الجنود باغتصابها قبل قتلها وعائلتها جميعا ثم اضرام النار في المنزل (ابرز الممثلين الذين ادوا دور جنود الدورية هما : دانييل ستيوارت و باتريك كارول ) .
لكن دي بالما يعلن ان الواقعة هي في مدينة سامراء وليست في المحمودية ، ربما سعيا منه للخروج من اطار نقل الواقعة كما هي فيما هو يسعى الى عرض الواقع بشموليته .
بالطبع يذهب العديد من النقاد السينمائيين عند قرءتهم النقدية للفيلم الى التذكير بفيلم ضحايا الحرب للمخرج مايكل جي فوكس والذي عرض سنة 1989 عن وقائع اغتصاب مماثلة جرت وقائعها ابان الغزو الأمريكي لفيتنام لكن ثم فارق كبير دون شك بين الفلمين ، فبالنسبة الى دي بالما عمد الى معالجة سينمائية مختلفة يمكن تسميتها بالمعالجة الموازية فهو قدم قراءة موازية للواقع وليس قراءة مباشرة او وثائقية بمعنى انه ضخ مادة صورية بالغة الغزارة والتنوع من خلال تسجيلات الكاميرات الشخصية وكاميرا المراقبة والمواد الأخبارية والأرشيفية للقنوات الفضائية ووظف تقنيات المونتاج في حشد مادته الفيلمية حتى صار كل عنصر من هذه العناصر مصدر قوة اضافي للفيلم من جهة وعينا راصدة للأحداث من جهة اخرى .وقد لفتت نظري قراءات نقدية للفيلم تمثلت في قراءة الناقد روبرت ايبرت في صحيفة شياغو سن تايمز الذي رأى في الفيلم انه يدفع مشاهديه للقبول بواقع يجري تنقيحه من قبل السلطات لكنه واقع مرير على اية حال . وهذا الناقد وغيره كثير يحاولون الأبتعاد تماما عن الخطاب المباشر الذي جاء به الفيلم وهو الذي اشرت اليه في مطلع المقال بصدد نقل الواقع كما هو ام تعديله ام تحريفه ام ما مسؤولية المخرج هنا ؟.

Time is measured from nothing but an imaginary CLOCK

في الصورة ..باتجاه الأبعاد
...تولد الصورة من رحم الأشياء ، من تلافيف الزمان والمكان لكنها الصورة الأم صورة التكوين وملاذ الكلمة حيث تتحد شظايا الصورة بشيفرة الكلمة لتصنع كينونة جديدة ، كينونة اخرى تليق بهذا المقدس العجيب المقدس الكامن في ابجدية الصورة وفي مكونها الجيني انسالها التي تتخلق بين ايدي اولئك المكتوين بالأبداع


Text Widget

............................................................................
A coverage for the International festival for the idependent film (Bruxelles )

http://www.cinearabe.net/Article.aspx?ArticleID=1918&SectionID=1&SectionName=الصفحة%20الرئيسية


http://www.cinematechhaddad.com/Cinematech/WrightsInCinema/WrightInCinema_TaherElwan.HTM

http://www.tunisalwasat.com/wesima_articles/index-20070706-6651.html

شكرا لكم على التهنئة لمناسبة تكريمي بميدالية المدينة الذهبية من عمدة مدينة بروكسل ..خاصة الى :
هشام الصباحي - الفنان التشكيلي العراقي حسن حداد - الناقد السينمائي البحريني حسن حداد - ليلى السيد - كاترين مونتوندو - صفاء ذياب - مريام فيرنديت - حسين عباس - اياد الزاملي - شاكر حامد - حسن بلاسم - عدنان المبارك -د.اكرم الكسار - د.خليل الزبيدي - شيركو -كرم نعمة-قناة الشرقية - جريدة الصباح - لطفية الدليمي - فؤاد هادي - د.سامي علي - جنان شمالي -رانيا يوسف - رضوان دويري -اشرف بيومي - رانوبون كابيتاي - ايميلي بالمر -ميك فوندربروكن - فريدي بوزو - ارين برديتشي- د.عمار العرادي - دينيس فيندفوكل - هانا فرانوفا - جوانا تاكمنتزس

..........................................................................

#طاهر علوان في حوار على القناة الأولى في التلفزيون البلجيكي ..اذهب الى الرابط لطفا

http://www.een.be/televisie1_master/programmas/e_kopp_r2006_a027_item1/index.shtml

موقع مهرجان بغداد السينمائي وجمعية سينمائيون عراقيون بلا حدود
http://cinbord.blogspot.com/



السلام عليكم ..welcome ... to my cinema blog...........TAHER ALWAN



تكريم الدكتور طاهر علوان بميدالية المدينة الذهبية من قبل عمدة مدينة بروكسل



بروكسل - (وكالات ): منح عمدة مدينة بروكسل (فريدي ثيلمانس ) ، الدكتور طاهر علوان ميدالية المدينة تقديرا لعموم منجزه السينمائي والثقافي في حفل جرت وقائعه في مبنى المؤتمرات في العاصمة البلجيكية بين نخبة من العاملين في حقل السينما نقادا ومخرجين واكاديميين من عدد من بلدان العالم من ذوي التميز المشهود .

واختير طاهرعلوان اختير مؤخرا عضوا في لجنة التحكيم الدولية لمهرجان السينما المستقلة في بلجيكا.

وتحدث في الحفل روبير مالنيكرو مدير مهرجان السينما المستقلة منوها بجهود طاهر علوان ومنجزه ومواصلته مشروعه السينمائي فيما حيا رئيس المهرجان مارسيل كراوس من خلال الدكتور طاهر عموم السينمائين ، ورحب عمدة المدينة بالتكريم متمنيا للسينمائيين التقدم .

وتحدث طاهر علوان شاكرا عمدة المدينة وادارة مهرجان السينما المستقلة على مبادرتها وتكريمها الذي عده فخرا كبيرا له وللسينما والثقافة واعترافا بتجدد الحياة الثقافية والسينمائية .

وامضى علوان الذي يحترف الكتابة القصصية والنقد السينمائي مايقرب من ربع قرن من العمل سواء في التدريس الجامعي او في النشر وهو مؤسس مهرجان بغداد السينمائي الذي اقيم في دورته الأولى عام 2005 وتقام دورته الثانية في اواخر شهر كانون الأول ديسمبر ، وهو ومؤسس ورئيس تحرير مجلة عالم الفيلم وهو ناقد سينمائي وعضو في لجان التحكيم في عدد من المهرجانات


......................................

المقالات في موقع سينماتيك

http://www.cinematechhaddad.com/



.......................................................................
كافة الحقوق محفوظة ..ولايسمح بأعادة نشر المقالات المنشورة في هذه المدونة في اية وسيلة نشر من دون الحصول على موافقة مباشرة من صاحب المدونة لأن ذلك يعد مخالفة قانونية لحقوق المؤلف والملكية الفكرية كما انه يعد نوعا من انواع السطو على جهود الآخرين ..آملين تفهم ذلك ..وشكرا
......................................
دعوة للجميع

ورشة سينما ..مجلة سينمائية مستقلة متخصصة لجميع المستويات : محترفين وهواة تقدم محاضرات ومقالات ودراسات واستطلاعات وكتب سينمائية وورش عمل ونصوص سيناريو واستشارات وهي ورشة مفتوحة للجميع ..مقالات ودراسات ومحاضرات في العديد من قضايا السينما في العالم العربي والعالم ..وهنالك المزيد ....دعوة للمشاركة ..ودعوة لزيارة الورشة على الموقع :
http://cineworkinst.eu































اصدقاء جدد لورشة سينما...اهلا


عالم من الشعر والموسيقى ..قراءات للعالم والناس والأماكن والذكريات ..تتجدد في مدونتي ..صعود القمر ..
enjoy it
http://themoonrising.blogspot.com/
............................................................
مدونتي بالأنجليزية : شعر باللغة الأنجليزية وموسيقى وباستمرار هنالك نصوص جديدة http:taheralwan.blogspot.com/
..........................................................
to contact me
dimensions_man@yahoo.com

.............................................
تصميم مدونة "ابعاد" : احمد طاهر























































































































































































































































































































































































































































العدد 61السنة الرابعة
شكرا لكم على الزيارة
مدونتي الأدبية : صعود القمر
مدونتي باللغة الأنجليزية































































تصميم المدونة :احمد طاهر
Designed by : Ahmed Taher

دفاتر


دفاتر

لغة الأدب ولغة الفيلم المعاصر

طاهر علوان



"العلامة تؤسس بذاتها المادة النوعية للسينما"

جاكوبسن

I



تتكاثر الشاشات من حولنا ، والأصوات تملأ الأماكن ، ونحن وسط التدفق الجبار لوسائل الاتصال السمعية البصرية نشهد كيف تتوالد في هذه المدارات الجمالية المشرقة ابداعات الإنسان التي لا تعرف إلا التجدد والتألق، فالشاشات تكتظ بالجديد، وآلات التصوير ما زالت تدور منذ مائة عام ونيف، والحصيلة مئات الآلاف من الأمتار من أشرطة الصورة ومثلها أشرطة الصوت وما زالت المكائن تدور والأصابع تضغط على مفاتيح آلات التصوير لتولّد المزيد والمزيد من الصور.

ولم تكن نشأة السينما وظهور انتاجها الفعلي في العام 1895 على يد الاخوة لومير في فرنسا، إلا تأكيداً لمقولة ان الأدب يتمظهر عبر الصورة هذه المرة ويقدّم دلالاته. فالرواية والقصة والشعر وبموازاتهم جميعاً ـ المسرح، قد ألهموا البشرية ابداعاً لا ينقطع من خلال صدق التعبير عن تحولات الحياة وارهاصات الذات الإنسانية. ولذا وجدت (الصورة) في ذلك الإرث الإنساني الهائل رافداً لا ينقطع لتحولات الأفكار من (الكلمة) الى (الصورة). انه تعميق لاشكالية راسخة من اشكاليات (التلقي) تلك التي عنيت بها المدرسة الحديثة في علوم السرد خاصة.. بين ان يجري التعبير بالكلمة والمروي، وبين التعبير بالصورة.. بالشريط حيث يكون المروي محمولاً بمكوناته ومدخلاته. من هنا وجدنا ان هنالك تواصلاً عميقاً في طرائق التعبير، بين الكلمة والتخيل من جهة، وبين التجسيد والتعبير المباشر الذي يحرك الحواس (السمع والبصر) مباشرة، موظفاً (الحركة) لتعميق التعبير.







ان هذه الاشكالية تحيلنا الى توظيف أدوات التعبير ، وتداخلاتها، فإذا كان كاتب النصّ يجد نصّه وقد تحول الى الشاشة عبر آلاف الصور، فانه ازاء مد غزير من الوسائل و الأدوات التي تقدم الصورة، فالصورة ليست حالة مجردة مرئية فحسب، بل هي كما نعرف مد مركب من (الشيفرات) الداخلية ليس أقلها أهمية اللون والعمق والإضاءة والتكوين، انه هنا تتويج لما قطعته البشرية عبر تاريخها في ميدان الفن البصري، فما تتيحه (الآلة). آلة التصوير من خيارات لا تنتهي تجعل من معطيات التعبير عن (الإبداع الأدبي) أُفقاً لا تحده حدود من خلال ما يتيحه من قدرات عبقرية للتجسيد.











II











إن الصورة صارت تشكّل مفاهيمنا ، وكما يذهب (دافيد كوك) أحد أهم المنظّرين للصورة السمعبصرية، في قوله: "ان القليلين هم الذين تعلموا كيف يفهمون الطريقة التي تمارس بها هذه الصور تأثيرها، انها تخلق العديد من الرسائل التي لا تريد أن تنتهي، والتي تحيط بنا من كل جانب، وبتشبيه هذه الحالة فاننا، مع اللغة المكتوبة والمنطوقة، يمكن أن نعد أنفسنا أميين فنحن نستطيع أن نستوعب أشكال اللغة دون أن نفهمها حقاً فهماً كاملاً وشاملاً.



بحسب جاكوبسن ، فاننا ازاء بنية النص وما تنطوي عليه من علاقة بين الرسالة التي لها نسقها المرتبط بالنص وشفراته الخاصة، تلك التي تتمظهر في الكلام المروي أو الرسائل التي تنقل داخل النص نفسه. يضاف لذلك إدراكنا لبنى مزدوجة تنطلق من قاعدة معرفية تفسر الرسالة عبر تفسير الشيفرة. ونجد ان هذه المعطيات الداخلية للنص تعززها وجهة نظر توماشفسكي، مثلاً في تحديده للمتن الحكائي للنص، بوصفه عرضاً لمجموع الأحداث المتصلة فيما بينها، والتي تكون المادة الأولية للحكاية، وبموازاة ذلك يبرز المبنى الحكائي، بوصفه نظاماً خاصاً بالنص لطريقة ظهور الأحداث في المروي ذاته.



وسننطلق من الحدث تلك البؤرة التي تتجمع من حولها اتجاهات النص فتتكشف أفعال الشخصيات ودوافعها والحيز الزماني والمكاني الذي يؤطر ذلك الحدث.







III











إن هذه المعطيات : الشخصية / الحدث / الزمان / المكان ، ظلت تحرك الإطار التجريبي للنصوص زمناً طويلاً، ويشير تاريخ الرواية بشكل خاص، الى تلك التحولات العملاقة التي شهدها الفكر الإنساني الذي تجسد في الرواية كمدار كامل للحياة البشرية، حيث سُـجّلت عبرها سيرة الإنسان بعمق وتنوع ملفت.







وإذا كان الشكل الكلاسيكي للرواية قد أعطى الدرس الأول في المكونات الرباعية آنفة الذكر، فانه قدم أرضية واسعة (للحبكة) التي تتحرك بموجبها الأحداث. ولذا وجدت الدراسات السردية فيما بعد مدىً مكتملاً يتيح التعرف على الآليات التي تتحرك بموجبها الأحداث والدوافع الظاهرة والكامنة التي تحث الشخصيات كي تفعل شيئاً أو تقول شيئاً.







ومن هنا وجدت ان الإبداع الأدبي ـ الروائي ـ خاصة قد يؤثر في خصائص لم تكن جميعها في خدمة (الصورة)، بل ان هنالك هامشاً من التجربة قد وجدت الصورة نفسها ازاءه أمام أسئلة كثيرة وعديدة. ولم تكن تجربة المخرج الروسي الرائد (ايزنشتاين) في محاولته غير الموفقة لنقل رواية (يوليسيس) لجيمس جويس إلا صورة من صور هذه العلاقة الاشكالية، بمعنى ان التطور البنائي للرواية لم يكن يعني تطابق ذلك التطور مع احتياجات السينما من النص. ولتقريب الصورة نجد ان المنظّر الكبير (ادوين موير) يستقرئ النص الروائي من وجهة نظر أخرى تحاكي (الحاجة) الحقيقية للصورة المرئية.























































































































































































































































































































































































Blog Archive

انتقلنا الى الموقع الجديد لورشة سينما

انتقلنا الى الموقع الجديد لورشة سينما

عمدة مدينة بروكسل فريدي ثيلمانس في حفل تكريم طاهر علوان

عمدة مدينة بروكسل فريدي ثيلمانس في حفل تكريم طاهر علوان

قريبا ...قراءتان في كتابي عبقرية الصورة والمكان

قريبا ...قراءتان في كتابي عبقرية الصورة والمكان

اربعة قراءات في كتاب الخطاب السينمائي

اربعة قراءات في كتاب الخطاب السينمائي

Recent Posts

Unordered List

Definition List

مرحبا بكم في " ابعاد " مدونة د.طاهر علوان العدد 62 السنة الرابعة 2010 ..في هذا العدد :فيلم انجريد للمخرج الأسباني ادوارد كورتيس ،فيلم افاتار نقلة هائلة على صعيد الصورة الثلاثية الأبعاد والمزيج الخلاق بين الواقع و المقابل الأفتراضي ..الحب في زمن الكوليرا" بين الرواية والفيلم جدل التاريخ والمكان والبحث في البناء الجمالي ..دفاتر .. الناقد السينمائي في وظيفة شارح الصورة..فيلم "الرحلة الأخيرة " للمخرج كريم دريدي:بقايا استعمارية والصحراء ملاذ اخير..المشاعر والقلوب المحطمة في تجربة المخرج الأسباني المودافار.. فيلم لااحد يعلم عن القطط الفارسية .. ..كما ادعوكم لزيارة "ورشة سينما " مجلة سينمائية مستقلة على الأنترنيت شكرا لكم على الزيارة .....قريبا قراءة نقدية لفيلم "خزانة الألم" الفائز بأهم جوائز الأوسكار ...نأمل عدم اعادة نشر المقالات المنشورة في هذه المدونة في اية وسيلة نشر من دون الحصول على موافقة صاحب المدونة شخصيا لأن ذلك يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية ..وشكرا
Powered by Blogger.
There was an error in this gadget

Followers

Video Post