قراءة في تجربة المخرج التركي ريها ارديم

فيلم "شمس حياتي المشرقة " تراجيديا انسانية بجذور واقعية


طاهر علوان

في المسافة الفاصلة بين عالمين ، علم هناك يتضخم ويتسع ولايمكن ادراك حدوده وخباياه ومداه ، هو البحر الشاسع الذي تتجول فيه البواخر العملاقة فيما تكتفي المراهقة الوديعة (حياة ) بالفرجة عليه , العالم الشاسع الذي يحتله الراشدون وهم يصارعون من اجل العيش في مقابل ذلك الدبيب الصامت الذي تمارسه (حياة )وهي تدرج في حياة متشعبة وعصيبة .

مابين العالمين هنالك مساحة ما لقراءة هذا الواقع الذي لايريد ان يستجيب ولا يعنى بما يكون عليه الناس ، من هو القوي فيهم ومن هو الضعيف ، فالحياة تسير الى غاياتها وكل شيء الى منتهاه بينما في الجانب الآخر ثمة مساحة للصمت والحيرة والقلق ، مساحة هي خليط من التحولات التي تلاحق الشخصية .

في تجربة المخرج التركي الشاب (ريها ارديم) ثمة هذا النزوع لتملس محنة الأنسان وصراعاته وقلقه وتحولاته وضعفه وقلة حيلته ، هنالك كائنات رخوة وضعيفة يبحث عنها ايرديم – كاتب السيناريو والمخرج - ويقترب منها يتلمس قلقها ووحدتها ، ثمة كائنات مجهولة وليست عظيمة ولامعروفة ولكنها تقرأ الحياة بطريقة مختلفة ـ علامة اختلافها لوحده كاف لتلمس مسارها واكتشافه فهو جدير بالأكتشاف حقا ...

كائنات معزولة

يبحث ايردم عن كائنات معزولة ونائية وتعيش في اماكن نائية ليقترب منها ويحاكيها ويتفاعل معها ، مساحة البطولة والأشراق محدودة تماما بسبب ان تلكم الشخصيات لاتمتلك عناصر القوة التي تجعلنا ان نتمثلها بقدر ان نقترب منها ونتفاعل معها ونعيش احلامها وهواجسها ...(حياة) المراهقة و (كوزموس) الذي يتمثل شخصيات تاريخية عرفناها كعروة بن الورد في التراث العربي و روبن هود في التراث الأنجلو سكسوني ، هؤلاء الذين يكرسون حيزا من حياتهم لمساعدة الأخرين ، هذان النموذجان او المثالان هما الأكثر تعبيرا عن عالم ايردم السينمائي

هو عالم مفعم بالواقعية وقريب من الحياة ، يبحث عن منافذ شتى للأقتراب من شخصياته سواء وهم مسالمون وطيبون او هم يمارسون اخطاءهم التي في الغالب يساهم في صنعها المجتمع المحيط بهم .

يحاول ريها ايضا ان يجعل من الكاميرا ، من الصورة اداة للتفاعل بين الشخصيات والجمهور وبالرغم من امعانه في التركيز على شخصياته الى درجة الأحساس انه يقع في دائرة التكرار الا انه في الحقيقة يحفر عميقا في عالم شخصياته والمجتمع الذي تعيش فيه .

ومن جانب آخر فأن دراسة ريها في باريس وحصوله على شهادته العليا في تخصص السينما من جامعة باريس الثامنة لم يدفعه الا الى اعادة قراءة الواقع والحياة في تركيا ، فهو لاينحو منحى تغريبيا مع شخصياته او انه يحاكمها من وجهة نظر تخصه هو بل هو اكثر تفاعلا معها في حياتها الواقعية.

حياة ..مراهقة تقرأ الواقع بعيون الكبار

يحكي فيلم "الشمش المشرقة في حياتي " بأسلوب واقعي شاعري انساني مرهف قصة فتاة تدرج من الطفولة الى المراهقة وهي حياة ، التي انفصل والداها فصارت توزع وقتها مابين يومها المدرسي مرتدية ثوبها الأزرق وبين رعاية جدها المقعد الذي تصيبه بين الحين والآخر نوبات حادة من ضيق التنفس (الربو) مما يتطلب باستمرار وجود كمام الأوكسجين الى جانبه ، تمضي حياة يومها الرتيب وقد تسرب صوت الشهيق والزفير لجدها الذي يكاد يموت في كل يوم ، تسرب اليها لاشعوريا حتى صارت تبادله ذلك الضيق بين الحين والآخر ، خلال ذلك هي لاتمتنع عن تلبية رغبة جدها في التدخين وتذهب بين حين وآخر لشراء السجائر له ليستدرجها صاحب الدكان مداعبا في شكل يتطور بالتدريج الى التحرش الجنسي وكان بعد ان ينتهي منها يتركها تحمل معها ماتشاء من حلوى من الدكان حتى صارت هي مصدرا للحلوى توزعها في المدرسة على زملائها وزميلاتها وسط شكوى مستمرة من ادارة المدرسة من اهمالها وقيامها بالغش بينما الأب يوفر خدمة يومية للبواخر الراسية او القادمة بتوفيرالمخدرات والفتيات للبحارة ، الأحداث كلها تقع على شاطئ البحر ، فالبيت الخشبي لحياة ووالدها وجدها يقع في منطقة خضراء ، يحاذي الجسر المؤدي الى المدينة ، تنمو احاسيس المراهقة في داخل حياة التي تمضي اغلب الفيلم وهي صامتة تردد اصواتها الخاصة ومغطية وجهها بشعر كثيف ينسدل على عينيها ، ومع وصولها الى درجة من الضياع التام وما يقع لها من تطورات بيولوجية وفي تكرار زيارتها للدكان تغتصب ربما من طرف صاحب الدكان نفسه ويتطور الأمر مع الأب ايضا الذي ينتهي به الأمر الى ان تلقي الشرطة القبض عليه بعد عثورها على المخدرات لديه .

الواقعية والدراما الأنسانية

يقدم الفيلم ممثلة مراهقة على درجة عالية من التمكن في الأداء يقف خلفها مخرج مقتدر استطاع ان يقدم هذه الدراما الواقعية بكل تلك السلاسة والجمال الأنساني ..

تبحث في يوميات الشابة اليافعة "حياة" عن افق ما ، افق تحاول الأجابة عن (لماذا؟ )، لماذا هذه الشخصيات وما دوافعها وماحاجاتها ، الأجابات التي تتعلق بهذه الدراما تبدأ من مشهد مصنوع بعناية ، انه آخر مصباح مضيء مع طلوع الصباح ، حياة تقف على حافة المياه بانتظار قدوم والدها بزورقه لينقلها الى المدرسة في كل يوم ، يتكرر المشهد ذهابا ورواحا ، دون ان يكون لدى الأب كثير مما يقوله لطفلته ، وهي ايضا لايوجد ماترويه لوالدها وهي التي يغطي شعرها وجهها تماما وتدندن بأغنية ما مع نفسها ، حياة صامتة لايقطعها سوى لهاث الجد ومرضه وعزلة حياة ووحدتها ...

صناعة المشهد وتحولات الشخصيات

يصنع المخرج سلسلة مشاهده بعناية تامة ولكن بواقعية في تلك المساحة الواقعية في خطوط حركة حياة ذاهبة الى بيت جارتهم التي تعطف عليها وتشاركها الطعام ومشاهدة التلفزيون ، فيما امها المنفصلة عن ابيها ترعى طفلا رضيعا من زوج يعمل ضابطا للشرطة ، وفي سلوك فيه من خبث المراهقة وبساطة الطفولة تكشف حياة عن ساقيها لزوج الأم الذي ينهرها مرارا ويطالبها ان تعتدل في جلستها ...هي تدور في فضاء لحيوات مجاورة فيما هي في المركز تكتشف لنفسها عن مسار ما خاص بها.

في المقابل نجد ان الأب في صراعه من اجل العيش لايجد مهنة غير خدمة البواخر الضخمة القادمة الى ميناء قريب ، خدمتها بتبادل او مقايضة الخمر بالمخدرات وكذلك الأتجار بجسد غانيتين يوفرهما لمن يدفع ، ويتكرر مشهد تلكما الفتاتين من ذلك الزورق الصغير الى تلك البواخر العملاقة وفي احدى المرات ترمى الفتاة الغانية الى البحر بعد ان واقعها خمسة من البحارة ولم يدفعولا لها شيئا .

حياة مهشمة ولا شكل ولا معنى لها سوى ان يمضي الأب في دورته الروتينية اليومية التي ببحث فيها عن وجود ما في هذه الحياة ولو هامشي ...هي دورة مألوفة ومكررة : ينقل حياة الى المدرسة ، يعود الى عرض البحر بانتظار قدوم البواخر ، يجلب البغي ، يوفر الحشيش بواسطة دلو يرسله له البحارة فيه المال وزجاجات النبيذ ، يعود ، مشهد قلي السمك اليومي يتكرر ، وهكذا تدور حياته .

حياة البالغين التي لانراها

هي حياة البالغين وافعال الكبار في مقابل احلام المراهقة (حياة) ، هي في قلب دائرة الكبار التي تتضخم وتتسع من حولها وهي تحاول ان تجد لها مكانا في تلك الدوامة المجهولة التي تكشف عن انانية ولامبالاة بوجودها ، وهي تجد مع كل واحد من اولئك الكبار جانبا تكتشفه ، فهي اكتشفت مع صاحب الدكان ماذا يعني نمو الحواس والتفاعل جنسيا وصولا الى الممارسة الجنسية الفعلية التي لانشاهدها اطلاقا وحيث لايحتوي الفيلم مشهدا جنسيا واحدا ولا مكشوفا ، لكنك تستطيع ان تدرك في آخر مشهد عادت فيه حياة من زيارتها اليومية لصاحب الدكان انها قد قد تعرضت الى تجربة جنسية القتها خاوية في وسط الحديقة الكبيرة المقابلة للمنزل المواجه للبحر ، وهي اخذت من جارتها الودودة عزلة المرأة ونسيانها ما حولها وانشغالها بالتهام الطعام ومشاهدة التلفاز والذهاب الى ملاعب الأطفال واخذت من والدتها انشغالها بالطفل الرضيع واخذت من البغي التي يسمسر بها والدها للبحارة الأبتهاج بالحياة والتمتع بالأزياء والعطور وهوماتحاول حياة ممارسته فيها بعد في مشهد اخير يجمعها مع مراهق آخر حيث يسرقان زورقا وينطلقان فيه في عرض البحر .

جمالية البناء المكاني

بالرغم من انعكاس الطابع الواقعي على الفيلم حيث تم التصوير غالبا في اماكن حقيقية الا ان اختيار المخرج للمكان تميز بجمالية خاصة اذ يلفت النظر هذا التجاور بين بيئات متعددة ، البحر حيث تجري الفصول اليومية المعتادة لتواصل الأب مع البحارة ، وحيث يتقزم ويصغر هو وقاربه الى درجة تقترب من التلاشي قياسا لتلك البواخر العملاقة التي يتواصل معها ، وبمجرد الخروج من البحر يلوح البيت الخشبي لحياة ووالدها وجدها وهو يقع في وسط احراش واشجار وحدائق وحيث الصلة اليومية مع الطبيعة والطيور والقطط ..وعندما تذهب حياة الى الدكان لشراء السجائر فأنها ترتقي سلما بسيطا يقودها الى طريق متعرج ينتهي بها الى المدينة الصغيرة حيث الدكاكين وحيث للحياة نبضها المختلف ، تتجاور هذه المكونات المكانية وتتلاحم مع ان لكل منها اثره التعبيري في الفيلم ، فالبحر بالنسبة لحياة ليس اكثر من مكان انتظار على الشاطئ او المرسى حتى قدوم الأب ليقلها الى المدرسة ، ولكنه ايضا له امتداد مع مياه ضحلة عندما تسير فيه حياة من دون ان تغرق او تسبح ، واما المدينة النائمة فهي لاتقدم لحياة غير رجل واحد هو ذلك الذي يغويها ويتحرش بها جنسيا ...بينما تكون الغابة الصغيرة والأحراش مكانا لحياة تتأمل فيها وتتوارى عن الأنظار في وسط الأحراش ، هذه الجمالية الفريدة للمكان منحت الشخصية ملاذا من جهة كما منحتها قراءة لما حولها وتواصلا مع الأخر من خلال جغرافية المكان .

………………………………..

من اسرة ورشة سينما – خاص : بروكسل

و س 32 -11-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

فيلم "البراق" للمخرج المغربي محمد مفتكر

غرائبية الجسد ، اشكالية الأنثى والتجليات في ماوراء السرد الفيلمي الواقعي

طاهر علوان

لاشك اننا نبحث دوما في عالمنا العربي عن سينما مختلفة ، عن رؤى جديدة واساليب مختلفة تخرج عن الأنماط السائدة وبما فيها اكثر الأشكال الواقعية التي لاتخرج عن "الحدوتة" او الحكاية معلومة النهاية منذ البداية ، سينما تحرك الساكن وتثير تساؤلات وتدفع بالمشاهد الى التيقظ والتساؤل والجدل والأختلاف ...وبالطبع هو مطلب يشمل حتى التجارب السينمائية غير العربية لكن المسألة فيما يتعلق بالسينما العربية تتسع بسبب قلة الأنتاج وضعف النوع ، لجهة طريقة المعالجة والحلول الأخراجية .

من هذا المدخل اذهب الى فيلم البراق للمخرج المغربي محمد مفتكر ، وهو فيلمه الروائي الطويل الأول وكان قد نال استحسانا ابان عرضه في المهرجانات السينمائية المحلية في المغرب كمهرجان طنجة ومهرجان خريبكة ليعرض في الدورة الأخيرة لمهرجان نامور الدولي للسينما الفرنوفونية في دورته الأخيرة في مدينة نامور البلجيكية حيث اتيحت لي فرصة مشاهدته.

في فضاءالقصة

في البدء لابد من القول ان هذا الفيلم لايقدم قصة تقليدية عادية واحداثا يمكن مسبقا توقعها او في الأقل رسم مساراتها او الأقتراب من الشخصيات ومحاولة سبر اغوارها ، وعلى هذا فأننا امام فيلم يمكن تلخصيه بالبحث عن الذات الهائمة ، الذات التي وقعت ضحية الآخر ووقعت ضحية البحث عن خلاص في وسط دوامة لانهائية من الميثولوجيا والسحر والميتافيزيقيا .

من هذه الخلاصة المكثفة سنتوقف عند قصة فتاة ما في وسط مجتمع ذكوري لايراد لها ان تكون انثى ، الأب الذي سيستخدم بطشه وقوته على ذلك الكائن الضعيف ، الفتاة وهي طفلة وعليها ان تتحول الى فتى ، ان تتدرب على ركوب الخيل وان ترتدي ثياب الفتيان ، ذلك عالم مغلق على ذاته في وسط قرية في مكان ما تحف بها الجبال وتمتد مزارع القمح لتكون ملاذا للصبية / الفتى ومكانا للعب مع صبي آخر ، وهناك يمارس الأب سطوته على ذلك الأمتداد اللامتناهي ، يقود ابنته الطفلة قسرا الى عالم الذكورة الذي لاخيار لها فيه .العالم الكامن المجهول عبر ذلك الأمتداد عبر الوهاد والجبال لايصغي لأنين الطفلة التي كل ذنبها انها ولدت انثى وهي تجوس في غيهب مجهول لاتدريه وتدور في فضائه .

ليس هنالك من تحولات كبرى في هذا المسار المقفل سوى اصرار الأب على المضي في تأكيد سطوته رمزا للمجتمع الذكوري .وفي المقابل هنالك المساحات التي تتجلى فيها الطفولة منذ البداية والتي تجدها شبه لازمة متكرره في الفيلم وهي مثلا الكتابة على اللوح ، تلك اللازمة التي تتكرر وتنقش فيها اسماء ووجوه وكأنها الواح القدر الذي تجد فيه الشخصيات اسمائها وسيمائها فضلا عن انها لاتكتب الا في تلك الأجواء المعتمة الكابية ، تكتب الأسماء على التتابع ويتحول الخط العربي في التفافاته والتواءاته الى تعبير حي عن الشخصية ويتحول القلم الى اداة سحرية يجري تسليمها بكثير من الهيبة من شخصية الى اخرى , حت اذا غصناعميقا في هذا المسار مانلبث ان نذهب الى مسار آخر مواز له ، هنالك مستشفى يشبه الزنزانة يشرف عليها رجل يرتدي البزة العسكرية وهو مصاب بعرج ، وهذا يحتجز فتاة شابة هي "ريحانة" التي تنزوي في تلك الحجرة البائسة البالية وتختلط في عقلها هلاوس واحلام يقظة وذكريات قاسية وحوادث اغتصاب ومشاهد حب وخوف وموت وسحر ورهبة كلها جميعا تحتشد في ذلك العقل الصغير لريحانة (الممثلة ماجدولين دريسي) التي ماتلبث ان تصبح مجرد حالة مرضية لدى زينب (الممثلة سعدية لديب) ، الطبيبة المعالجة النفسية او الباحثة الأجتماعية التي تعقد جلسات متكررة تصغي خلالها الى ريحانة والى ماضيها وذكرياتها ثم لتخبرها ريحانة تاليا انها حامل ..ولكن ممن ؟ في البدء تتوقع انه ليس غير الحارس او المدير ذو البزة العسكرية القادم من الحرب والذي يتوعد بالحرب ويكرر كلمة الحرب مرارار وهو الذي يحقن ريحانة بالأبر والأدوية ، لكن المشاهد التي ينسخ بعضها بعضا في ثنايا الذاكرة المضطربة لريحانة توجد اكثر من رجل هو على صلة مع ريحانة ويشاركها متعة الجسد راغمة او راغبة ، هنالك الذكريات مع زيد ..الشاب الذي ابتلعته الحرب هو الآخر وهنالك الأب ، وكل منهم يظهر منفرادا بريحانة على افتراض اقتراف الأب للزنا بالمحارم .

هيمنة الجسد

يمتلك الجسد حضوره منذ البداية فالأنثى المرفوض وجودها الأنثوي وهو رفض لوجودها الجسدي المجرد لااكثر ولهذا يحضر الجسد كثيرا في سياق الفيلم كما انه ذلك الجسد الذي كتبت عليه اقداره وحياته ولهذا ساعة ينكشف الجسد في مشهد حلمي – سريالي ممزوج ببعد واقعي فأنه يتكشف عن جسد تغطيه الحروف والكلمات ، تم رسم تلكم الكلمات عليه بلا انتهاء ، ثم مايلبث ان يتحول الى جسد واقع في دائرة الوجد المجرد من خلال علاقة ريحانة مع زايد ، فهي تلك العلاقة التي تمر مرورا خاطفا في ثنايا الفيلم ولاتصمد كثيرا امام العواصف الأخرى التي تعصف بريحانة ، العلاقة مع زايد تمثل ذلك البحث المضني عن بديل انساني للأستلاب وقلة الحيلة وانهيار الذات امام ضغط الآخر .

في المقابل نجد ان ريحانة في لحظات انهيارها وهي محاصرة في تلك المصحة – السجن ، نجدها ايضا منهمكة في التعبير عن حصار الجسد فهي حبيسة ذلك القفص الذي تريد الخروج منه لكنها امام قوة اخرى غير قادرة على التخلص منها .

وعلى هذا يتحول الجسد في الشكل الغرائبي الذي تم تقديمه فيه ،الى نقطة انتهاك من اطراف عدة : الأب الشرس المستبد الذي يسحق فكرة االأنوثة ويرفض ان يتسجيب لها فارضا وعيا ومفردات ذكورية خالصة ، زيد الذي يبحث وهو في ريعان شبابه عن شريكته التي لايكف عن التودد اليها وعناقها ومضاجعتها في مشهد ضعيف للغاية اخراجيا وواضح انه مصطنع ، وفي المقابل هنالك الزمن الذي تجد ريحانة نفسها في وسطه وهي تحاول التقاط ذاتها ولملمة جراحاتها وهي لحظات البوح التي كانت تعبر فيها عن نفسها في اثناء لقائها الباحثة النفسية او الأجتماعية .

الحصان والبيض رمزا وموضوعا

يكثف المخرج محمد مفتكر من الرموز التي يريد منها ان تنسجم مع فكرته وموضوعه ، اذ تتكرر مشاهد الحصان في حالات ومواضع مختلفة بل ان الحصان يعد مفردة اساسية لاغنى عنها في كل الفيلم تقريبا فلا تكاد تحضر الشخصيات في بعض المشاهد حتى نكون في مشاهد يحضر فيها الحصان الأسود خاصة ولايتوان المخرج عن التركيز على الحصان بكل تفصيلاته : العيون ، الرقبة السيقان ، والحصان وهو جامح منطلق او وهو ساكن او وهو يعتنى به من طرف والد ريحانة ويتطور الأمر الى ربطه بعمق بالموروث الفكري والأنساني المحلي ، اذا يتكرر ظهور كتاب عتيق مصفر الأوراق يغطيه التراب موضوعه الحصان يبدأ بالآية القرآنية عن العاديات وهو الكتاب الذي يضعه المحقق او مدير المستشفى او السجان او الحاكم العسكري او كلها مع بعض لأنه كل هذا ، سيضع الكتاب على الطاولة امام زينب ثم تذهب زينب بعد ذلك للبحث عن الكتاب في ارفف الكتب وتظهر تفاصيل هيئة وشكل الحصان ...ثم يكون ذلك الحصان من جانب آخر هو الحلقة التي توصل مابين ريحانة والعالم الذكوري بحسب الحل الذي اوجده الأب ، فأول مايجب ان تتعلمه ريحانة هو ركوب الخيل ، ذلك الفرس نفسه اسود اللون الذي ظل يتكرر مثل لازمة لانهائية ، كما انه هو الذي يمنحها الأحساس بتلك المغامرة الجديدة عندما تجد نفسها جزءا من تلك الدائرة التي لافكاك منها : الأب – الحصان – الذكورة – استلاب الأنثى .

وهنالك استخدام آخر ملفت للنظر وهو البيض الذي يتكرر في كثير من المشاهد وغالبا هو بيض الطير الذي يتم الرسم والكتابة عليه ، ويتحول الى لازمة اخرى مرتبطة بالشخصيات وذلك خلال عملية الكتابة على اللوح او رسم اوجوه الشخصيات عليها ، واذا فهمنا دور الحصان في السياق العام للفيلم فأن تكرار ظهور البيض كان اقرب الى ممارسة السحر وكتابة التعاويذ وماالى ذلك دون ان يفصح ذلك الأستخدام عن كثير من التفاصيل .

جماليات السينوغرافيا والتصوير..

مما لاشك فيه ان هذا الفيلم على ماعليه من ملاحظات في السيناريو لجهة انه ينحو منحى ذهنيا وتتداخل فيه الأزمنة والأماكن مبتعدا كثيرا عن التتابع والنمو المنطقي للأحداث وافعال الشخصيات وبسبب ذلك فأن من ينشد من وراء هذا الفيلم قصة تقليدية معتادة قائمة على التسلسل المنطقي للأحداث فأنه لن يعثر عليها بسهولة ، حتى ان الممثلة التي ادت دور زينب (الممثلة لديب) كانت قد صرحت في لقاء صحافي معها ان المخرج كان يجري عمليات مونتاج مسبقة في ذهنه قبيل واثناء تنفيذ المشهد ومايزيد الموضوع تعقيدا هو كون الفيلم يعتمد على تداعيات نفسية باطنية وهواجس واحلام وتخيلات وكلها تنتظم في فضاء تعبيري اراد له المخرج محمد مفتكر ان يخرج عن النمطية السائدة والشكل التقليدي في السرد الفيلمي متجاوزا كثيرا من الكليشيهات في هذا المجال .

لكن الفيلم ومن دون ادنى شك قد تفوق الى حد كبير في مجال الصورة والسينوغرافيا ( مدير التصوير زافي كاسترو) ، فجماليات التصوير ومنذ المشهد الأول الذي يظهر المرأة وهي تسير في فضاء ليلي قاتم باتجاه الحصان ، منذ ذالك المشهد راح المخرج يعزز ذلك التدفق الصوري في المشاهد الليلية بمزيد من الحس الجمالي وقوة التعبير ، فالبناء الأضائي والملمس وتعبيرية الصورة محملة بالكثير من المفردات الجمالية يضاف الى ذلك طريقة تصوير مشاهد الحوار بين (زينب ) وريحانة في المستشفى / السجن اذ غالبا ماتم تصويرها بالعدسات قصيرة البعد البؤري معطية للمكان شكلا شبه اسطواني مقفل تقبع فيه الشخصيات وهي اسيرة ازماتها .لقد كانت المشاهد الليلية اكثر مااجاد فيه مدير التصوير في صنع مناخ تعبيري بالغ التأثير والدلالة وكذلك في مشاهد الطفولة والكتابة ومشهد تعري الفتاة ليظهر جسدها وهو مغطى بالحروف والكلمات ...

كل هذا كان تعبيرا عن ولع خاص لدى المخرج في الغوص في ماوراء السرد او مابعد السرد الفيلمي المباشر حاشدا ادوات تعبيرية متنوعة للوصول الى غايته ، لكنه في حاجة الى مشاهد يقظ ليس بالضروروة ان يبحث عن قصة تقليدية معتادة بل ان يشعر بلذة الأكتشاف ومتعة التعبير ..

................

الفيلم : البراق

pgase العنوان الفرنسي

سيناريو واخراج : محمد مفتكر

مدير التصوير : زافي كاسترو

مونتاج: جوليان فوريه

تمثيل: ماجدولين دريسي ، سعدية لديب ، ناديا نيازي ، دريس روخ ، انس الباز

سنة الأنتاج 2010

حوار مع المخرج النمساوي مايكل هانيكة

العنف هو الموضوع الرئيس الذي تناولته في جميع افلامي

قابلت 7 آلاف طفل لأختار بضعة منهم لفيلمي

اذا اخترت الممثل الجيد لأداء الدور المناسب له فأن النجاح سيتحقق

السينمائي هو ذلك الكائن الذي مهمته طرح الأسئلة

حاورته : كريس كرابس

ترجمة : طاهر علوان

مايكل هانيكة مخرج معروف على نطاق عالمي وافلامه حصدت العديد من الجوائز في المهرجانات وكان آخرها نيله الجائزة الكبرى لمهرجان كان 2009 وذلك عن فيلم الرباط الأبيض الذي يتحدث عن احداث غريبة تقع في قرية المانية صغيرة قبل الحرب العالمية الأولى مركزا على مفهوم العقاب والعنف وتأنيب الأطفال في قرية خاضعة الى سيطرة صارمة من الآباء والكنيسة وحيث الأذلال على اشده لنساء والأطفال .لقد قدم هانيكة قصة من الماضي ولكنها قصة تتناسب مع المشكلات المعاصرة ولمكانة المخرج وللأصداء التي تركها فيلمه كان معه هذا الحوار :

* هل ان فيلم الرباط الأبيض يشكل امتدادا ام اختلافا عن افلامك السابقة في طرح موضوع العنف والعنف الأجتماعي خاصة ؟

- نعم في هذا الفيلم تحدثت عن العنف , والعنف هو موضوع تناولته في جميع افلامي ، انه جزء مما يجب ان يقوله المجتمع المعاصر الذي نعيش فيه ، ولكني في افلامي السابقة تحدثت بطريقة مختلفة عن موضوع العنف ، وهي طريقتي التي اختلف بها عما تقوله وسائل الأعلام عني وما تقدمه هي ذاتها من موضوعات عن العنف ، لقد طرحت الفكرة بطريقة مختلفة ، رغم انني قد التقي مع وسائل الأعلام في جانب صغير مثل استخدام التعليق الخارجي ( (voice over في بداية الفيلم لكي اعبر عن انعكاس موضوع العنف ولكي اهيء المشاهد لقبول الفكرة .وانت تعلمين ان اي فيلم يحتوي فكرته الخاصة ويحتاج الى تقديم شكل فيلمي معين ، وانا لااعلم فيما اذا كنت سأعود في المستقبل الى موضوع وسائل الأعلام وفي النهاية فأن الفيلم يقدم نفسه ولكن من الممكن في المستقبل ان اصنع فيلما آخر يلامس هذه القضية .على اية حال ، انا لست سعيدا تجاه من يقدمني على انني متخصص في موضوع وسائل الأعلام والعنف .

* هل يمكنك ان تختصر لنا موضوع وفكرة فيلم الرباط الأبيض ؟

- لقد اردت ان اقدم اطفالا خضعوا واجبروا على قبول قيم صعبة من الجيل السابق وان تلك القيم الصعبة اصبحت بالتالي قيما لاانسانية وكانت النتيجة النهائية هي سيادة منطق (الترهيب).

* ولكن السؤال هنا هو ، هل تعني انك بصدد عرض مشكلة تخص المجتمع الألماني تحديدا ، بأعتبار ان الفيلم يعرض احداثا وقعت في قرية المانية ؟

- بالتأكيد الجواب : لا ، الا ان المشكلة وجدت في المجتمع الألماني ولكنها موجودة في مجتمعات اخرى وخاصة تلك المجتمعات التي تبالغ في تطبيق ماتؤمن به وتتشدد فيه وتصبح الفئات الأضعف هي الضحية .ونحن نرى هذه الظواهر بشكل خاص لدى المتدينين المتعصبين والسياسيين كذلك سواء اكانوا من اليمين او من اليسار ، لهذا أأمل ان لااحد يعد هذا العمل على انه معني بالسؤال والأجابة عن المجتمع الألماني فقط.

* وكيف اخترت كل هؤلاء الممثلين ؟

- لقد الهمتني وجوه الناس في الحقبة التي تجري فيها احداث الفيلم ان ابحث عن هؤلاء الأطفال ، كان علينا ان نبحث لمدة ستة اشهر عن اطفال يناسبون هذا الفيلم .واعتقد اننا قابلنا حوالي 7 آلاف طفل .ولكن بالطبع لم اقم بذلك لوحدي بل من خلال فريق العمل والمساعدين العاملين معي . وهذا كان ضروريا لأنني لم ارد فقط وجوها جميلة للأطفال فهؤلاء الأطفال كانت لديهم القدرة على التمثيل وهو امر مهم . واما بالنسبة للكبار فقد كانت المسألة اسهل ، اذ كان في ذهني عدد من الممثلين لأداء ادوار محددة وكذلك كانت لي فرصة سابقة للعمل مع بعض اولئك الممثلين في افلام سابقة .

* وكيف قمت بأدارة الممثلين في هذا الفيلم ؟

-انا افضل عدم اعطاء الكثير من الشرح والتفاصيل للممثلين ، فعندما يكون الممثل جيدا وقرأ السيناريو جيدا واستعد له فأن بمستطاعه ان يكون جاهزا لأداء الدور بشكل متقن ، عندها اشرح للممثل او الممثلة ماهي المشكلة او ماهو الخطأ . ولكن بشكل عام استطيع ان اقول انني دائما ماكنت اعمل مع ممثلين ممتازين ولم تكن لديهم اية مشكلة مع حقيقة انني لااعطيهم مزيد من التفاصيل والشروحات .انا اعتقد ان الأمر برمته يعتمد على حسن اختيار الممثل واستعداده ومثابرته ، اذا اخترت الممثل الجيد لأداء دور مناسب له فأن النجاح سيتحقق ولكن خطة العمل مع الممثل يجب ان تكون واضحة من البداية .

* وما تقييمك لأداء الممثلين في فيلمك بشكل عام ؟

- الجواب هو انني قرأت مؤخرا مقالا مطولا عن الفيلم من زاوية وجهة نظر الآباء والأبناء في هذا الفيلم، وانا لست متأكدا ان كانت وجهة النظر تلك صحيحة ام لا ، في كل حال فأنني لست قلقا من تلك المستويات المتعددة للفهم والوصول الى النتائج .

* ولكن القراءات المتعددة للفيلم ظهرت عندما وجد الصحافيون والنقاد والجمهور انفسهم ازاء كم من الأسئلة التي طرحها الفيلم دون ان يجيب عليها اجابات محددة ..ماقولك في ذلك ؟

- ان هدفي في الواقع هو ان يبقى المشاهد محملا بكم من الأسئلة بعد مشاهدته الفيلم . وانا دائما مااسعى الى تقديم قصة الفيلم بطريقة تجعل الجمهور يتساءل عن مضمون الفيلم . ولكن توفر اجابات لجميع تلك الأسئلة قد يؤدي الى نتائج عكسية . وفي كل الأحوال فأن المشاهد يواصل توجيه مختلف الأسئلة و هذه الحالة نفسها التي تتكرر منذ فيلمي الأول . انني لست الشخص العالم بكل شيء لكي استطيع الأجابة عن جميع الأسئلة التي تتعلق بفيلمي هذا او اي فيلم سابق من افلامي .

يجب ان نفهم العالم كما هو ..كما نراه ..وندركه وان السينمائي هو ذلك الكائن الذي مهمته طرح الأسئلة .

ولو امتلك البشر الأجابات عن جميع الأسئلة لكان العالم في وضع آخر مختلف تماما .

ان اعطاء اجابات عامة عن جميع المشاكل والقضايا هو ليس نوع من السذاجة بل هو نوع من الغباء .وليس من الحكمة تماما ان توفر اجابات عن جميع التساؤلات التي يطرحها الفيلم ، ولكن ربما يكون من المفيد اكثر طرح اسئلة مهمة في بعض الأحيان .

فيلمه "الرباط الأبيض" الفائز بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي2009

INGRID

فيلم " انجرد " للمخرج ادوارد كورتيس
بيت بلا ابواب وفنانون بلا حدود وحب بلا انانية

ربما هي رؤية اخرى ، ومعالجة اخرى تلك التي تجعل من شخصية ما محورا لكل شيء ليس لأنها البطل الذي لايقهر بل ربما بالعكس ، قد يكون او تكون البطل الهش ، لكنه البطل في صنع تأثيره وسحره الخاص وبثه على كل من هم من حوله . يقودنا ذلك الى الكيفية التي يتم فيها ومن خلالها صنع الشخصية الفيلمية والشخصية الدرامية على العموم ، هو ذلك الخليط الأخاذ من التجاذبات والصراعات التي تفعل فعلها في مسارات الشخصية وخياراتها وهو العنصر الفاعل والأهم الذي بالأمكان التوصل اليه من بين الأشكال النمطية لشخصيات نشاهد منها الكثير ثم مانلبث ان ننساها او تغيب عن اذهاننا ، لكن شخصية ما ليس بسبب خارقيتها وانها استثنائية بفضل مايحيط بها من ضجيج بل بقدر ما تحمله من سحر وتأثير ساحر ، تأثير بسيط ولكنه فاعل وعميق ، بصرف النظر عن قوة الأفعال والأحداث الا ان هنالك مساحات اخرى للشخصية قد لانراها مباشرة ولكننا نستشعرها ونتفاعل معها .. من هنا سيكون الحديث عن الشخصية هو حديث عن المهارة والتمكن من صنع شخصية استثنائية تتكلم حين يصمت الآخرون وتصمت حين يتكلمون ، تحضر في لحظة الغياب الأنساني ، وتتمرد على ذاتها والقوقعة التي وجدت نفسها فيها .
وبالطبع يأتي كل ذلك متساوقا مع كلام كثير عن البنية الدرامية وعن بناء الشخصيات وابعادها وهي اولى اسس ومهارات كاتب السيناريو ، لكن المشكل يكمن ليس في تأسيس هياكل الشخصية البنائية ودافعياتها الشعورية واللاشعورية واهوائها واهدافها وتحولاتها بل في نحت شخصية ليست نمطية وليس من السهل ان تتكرر او تتشابه مع اخرى ، ربما كان ذلك هو احد المشكلات في كتابة الدراما الفيلمية : انك تمتلك الأدوات التقليدية لصنع الشخصية الفيلمية في الفيلم الروائي ولكنك تؤسس تكرارا ونمطية ولاتجد في تلك الشخصية الجديدة اختلافا عن عشرات اومئات غيرها ، فالقواعد التقليدية لصنع الشخصية الفيلمية من جهة والأمتداد الواقعي للشخصيات هما تحديان مع انهما عنصران دافعان مهمان لأنهما يقودان اما الى صنع شخصية استثنائية ساحرة ومؤثرة وتتميز بابعاد جمالية مميزة او انها تسقط في دوامة التكرار واللاجديد ..
ولعل الفيلم الأسباني " انجريد" المصنوع حديثا لمخرجه (ادوارد كورتيس) يدفع الى مزيد ومزيد من القراءات والحديث عن الشخصية الفيلمية وبنائها ودوافعها وافعالها ، فالفيلم يقدم مجموعة من الشخصيات التي لن تشكل في النهاية الا كورالا يردد اصداء الأصوات التي تطلقها انجريد ، فهذه الفتاة ليست الا فتاة عادية في ملامحها ودورها وعلاقاتها لكنها في الوقت نفسه تصنع من البساطة ابعادا اخرى مختلفة تجعلها محورا فاعلا مهما ليس في تغيير مسارات الصراع او الدراما الفيلمية بل في العزف على اوتار حياة موازية لتلك الحياة اليومية

الروتينية .
يعيش ( اليكس ) فصلا جديدا من فصول حياته الزوجية التي لايكتب لها النجاح وتختتم بلقاء عابر مع الزوجة التي تطلب منه ان يغادر ، ان يجمع اغراضه من المكان الذي يتقاسمان العيش فيه لأن بقائهما معا اصبح مستحيلا والمسألة ليست فيها عدوانية وشجار ازواج لكن ( اليكس) يجد نفسه في مواجهة قدره الذي لامفر منه ولهذا يبدو حائرا مرتبكا في كيفية تصريف شؤون حياته وحتى ان طليقته التي وجدت ظالتها في شخص آخر تجد له سكنا آخر وتكون قد استأجرته ليسكن فيه . في اللحظة الأولى لوصوله لمكانه الجديد يلتقي (انجريد) التي ترحب به وبلا تكلف تعده صديقا ثم تعرض عليه ان يستخدم سيارتها الخاصة ان هو احتاج الى ذلك ...وبزوال تلك العوائق الشكلية لتعرف الناس ببعضهم للوهلة الأولى تتدفق صور تلك الحياة المجهولة لأنجريد ، فهي تعيش ذكرى المشاهد الأولى من طفولتها واسألتها المدوية عن الموت والحياة وانها كلما اغمضت عينيها سيكون هنالك انسان آخر قد مات واناس يعذبون في مكان ما من الأرض او تحت الأرض ومع احدى اغماضاتها ستغيب الأم والأب والعائلة جميعا وتجد انجريد نفسها وحيدة لكن اصداء الموت والموتى والحياة الأخرى تتردد اصداؤها في مسامعها ، هي انسانة قررت ان تزيل الحواجز عما حولها وتجعل الأشياء تمضي الى طبيعتها : بيتها بلا ابواب ، قررت رفع الأبواب الداخلية ماعدا الباب الخارجي ، هي صانعة للأبداع ، يتخطى الفن بالنسبة لها كل الحدود والحواجز ويكتشف ( اليكس ) صور ذلك الفن وتجلياته في حضوره حفلات انجريد الصاخبة ، هي تصنع مشاهد وعروضا مسرحية قوية وبالغة الحدة والـتأثير وتلهم زملائها ذلك الأبداع في الصورة والسنوغرافيا وتمثلات الجسد دون ان تستطيع ان تكون لرجل واحد بعجزها عن ان تحب انسانا حبا يمثله العشق والأمتلاك الجسدي ، في عرفها ان الحواس تعبر عن نفسها بطريقة آنية ما دون ان يغدو الوقت كله للحواس وهوما يعذب عشاقها الذين تجد واحدهم اسير حب تقليدي عرفه وعاشه بينما لايمكن لأنجريد ان تعيشه ، وهو مايبعث اولئك المحبين لفتنتها وسحرها وعذوبة شخصيتها الى الهياج والصراخ والأحساس بألم من عدم القدرة على الأحتفاظ بأنجريد المحلقة في فضاء ذاتها غير القادرة ان تكون جسدا لشخص واحد يمتلكها وقتما يشاء ، حواسها تتلمس طرقا ابعد وعوالم ابعد الى تخوم غير مرئية وعوالم تتدرج كألوان الطيف ، لكن تلك الأكتشافات التي يصنعها الفيلم والأبداع ليست بالضرورة مريحة وممتعة ولذيذة دوما ، بل قد تكون خبرات مؤلمة ايضا ، ولهذا لاتتردد هي عن تجربة الألم ، وتبحث عن من يمنحها ذلك الألم ، ذلك العجوز الألماني المتخصص في صنع تلك المشاهد السادية بأستخدام الكلاليب التي تخترق الجلد ، لااحد يستطيع ان يوقف رحلة انجريد الى عالم الألم هذا ، انه عالم مكمل للذات الحالمة بالفن والأبداع ، يتكامل الألم مع اللذة غير المرئية ، ورغم شقاء اصدقائها مما تصنعه وشعورهم بالألم من جراء ذلك الا انهم لايملكون الا البقاء قريبا منها ، ربما رعايتها وحبها دون ان يستطيعوا ان يوقفوا جموحها ‘ فهي اذ تصنع الجمال ولذة الأبداع فأنها تشرك اصدقائها ، تريدهم ان يعيشوا معها ذلك وفي الوقت نفسه هي تسعى الى اشراكهم معها لحظات الألم ايضا لأن الحياة ليست متعة وسعادة فقط بل هنالك مناطق للألم ايضا .
كل هذا يرصده الجار الطيب المسالم (اليكس) الذي يدهشه هذا العالم ويجد في انجريد صورة اخرى للمرأة التي فقدها توا ، بطلاقه وانفضاله النهائي ، لكنها امرأة استثنائية هو يشعر انه لايستطيع بسهولة الأحاطة بعالمها والأمساك بحدود شخصيتها وموقعها بالنسبة له ، فهي تبادله مشاعر انسانية رقيقة دون ان تلمسه او يلمسها ، هما صديقان حميمان وهو قريب منها جدا لكنه ليس حبيبها ولاعشيقها ، بل هو كل هذا حينا وهو ليس اكثر من عين راصدة وشخص يراقب ماحوله فيما يخص انجريد دون ان يكون له دور او تأثير خاص ، هي تقربه من عالمها وتعرفه بجميع اصدقائها ويعيش معها الفصول شبه اليويمة في بيت بلا ابواب وفنانون بلا حدود وحب بلا انانية الأمتلاك ، يتجلى ذلك في ورشة متواصلة للأبداع في داخل بيتها ، هنالك دوما الموسيقى الغناء والرقص والتمثيل وكل شيء ، لكن انجريد قد تثور وقد تسخط ، وتجدها عجلى غير قادرة على التوقف مع حالة شخص او شاب ما يخطب ودها لأنها تريد الرحيل الى عوالم اخرى قد لايرونها وتلك هي الصدمة الجديدة التي يكتشفها الجار المسالم عندما تخبره يوما انها اكتشفت انها تصحو من نومها بعد انتصاف الليل او مع الفجر وتخرج بملابس النوم وتركب سيارتها دون ان تعرف الى اين تذهب فترجو منه ان ينصب كاميرا عبر النافذة وفي مواجهة سيارتها لتصويرها وهي خارجة ، لكن الفضول من جهة والقلق عليها من جهة اخرى يدفعه الى تتبعها واقتفاء اثرها ، فيلاحقها بسيارته ليجدها تدخل وهي حافية القدمين وكمثل السائر في نومه غير شاعرة بشيء ، يجدها تدخل نفقا طويلا ينتهي بالدخول في مكان يوصد بابه تماما بعد دخوله لتجد نفسها مع مجموعة من الأشخاص المسنين الذين يجلسونها في وسطهم وكمن يحاكمها وماتلبث ان تخرج بعد ان يعجز هو عن الدخول الى ذلك المكان ، وتتكرر القصة مرارا ودون ان يجد هو لمايحصل تفسيرا كما تمتنع هي عن تفسير مايقع .
وتبدو بعد هذا كمثل الزائر المتعجل الذي يريد انهاء مهمة بقائه سريعا دون ان يكون له ارتباط عميق ووثيق بأي كان وهي خلال ذلك في كلماتها الموجزة والمنتقاة تطرق على اكثر من وتر مخلفة سحرا خاصا وتأثيرا ملفتا تتركه على كل من هم حولها .
تمضي يومياتها فصولا من اكتشاف الذات عبر الفن وامتزاج الأصوات مع الموسيقى مع الرسم مع النحت من الألوان الشفافة التي تحيط بها ، وفي موازاة ذلك رسم خط النهاية بالنسبة لها ، وهي تلك اللحظة الفاصلة في حياتها عندما تخرج للمرة الأخيرة والنهائية فتلاحقها صديقتها في هذه المرة’ وتذهب انجريد الى المكان نفسه ليتم احراقها هناك ...لكنها وقبل زمن كانت قد اسرت صديقتها ان تحتفظ بشريط فيديو لديها وان لاتعطيه الا الى ( اليكس) ولكن ليس قبل موتها ...لايصرخ ( اليكس ) ولايبكيها ، لكنك تشعر ان موتها قد سحقه ووجه له ضربة عنيفة فهي متغلغلة لاشعوريا في اعماقه وشخصيتها متجذرة في وعيه ولاوعيه ...في اللحظة التي ينتظر فيه امرا يجهله مما يحمله شريط الفيديو الذي تركته انجريد له ...يجدها وهي تطل عليه بوجهها الطفولي على الشاشة وبابتسامة غامضة ..قائلة : لقد انتهى كل شيء . ويتلك النهاية ينتهي الفيلم .
الممثلة ( ايلينا سيرانو ) التي جسدت دور انجريد بهذه البراعة والتمكن ، هذا الفيلم هو فيلمها الأول ، الذي تفوقت فيه على نفسها وتجلت مهارات المخرج المتمكن الذي ادار تلك اللعبة الغرائبية ببراعة ، لاشك ان مساحة الغرائبية في الفيلم لاتشكل الا مساحة محدودة بالقياس الى مساحات اوسع تجلت من خلالها انجريد وقدمت دورا مؤثرا ، غاصت فيه في اللاجدوى واللاشعور والوعي السالب وازمات المبدع وتجلياته وجنونه وعزلته وانانيته ونرجسيته احيانا وحنوه وعاطفيته وانسانيته في احايين كثيرة ، انجريد هي انسان الأزمة ، المرأة – الطفلة المحاصرة بذاتها وبالألم ، والحيرة والوحدة وعدم القدرة على الأنتماء القائم على الأمتلاك والأنانية ...
ولعل قراءتي لهذا الفيلم تختلف عن قراءات لأفلام اخرى من ناحية تلمس العناصر الجمالية والحلول الأخراجية وماالى ذلك ، لأن هذا الفيلم عصي على التوقف عند اخراجه او تصويره بشكل مجرد بقدر ما يكون الأقتراب من عالم انجريد الشاعري الأبداعي الأنساني الواقعي الرومانسي الوحشي في آن معا بمثابة قراءة لكل العناصر الفيلمية التي امتزجت واتحدت لتقدم هذه الشخصية وهذه الدراما المتميزة في كل شيء لدرجة انك ومع كل جنون انجريد ورعونتها وطيشها احيانا لاتملك الا ان تحبها وتتمنى ان تشاهدها مرات ومرات بسبب السحر والجمال والمتعة الذي تتركه .
الفيلم انجرد
اخراج ادوارد كورتيس
تمثيل ايدوارد فاريلو ( اليكس) ، ايلينا سيرانو (انجريد

2009 انتاج

فيلم افاتار للمخرج جيمس كاميرون
الصراع وفكرة الغزو تتجدد ولو بعد مئة عام


جندي من المارينز يتساءل : " من اجل ماذا يسلمون اوطانهم ؟: من اجل البيرة الخالية من الكحول والجينز الأزرق؟"
الدراما الفيلمية تتصاعد وتجد الأحداث دافعيتها في ظل صراع شرس من اجل البقاء

افاتار فيه مساحة هائلة من الأبتكار الذي لم يسبقه اليه فيلم آخر : ابتكار الشخصيات ، ابتكار البيئات ، ابتكار الكائنات والمخلوقات الغريبة وابتكار الشكل السينمائي
قصة اقوام (النافي) في الفيلم تتماهى وتلتقي مع العديد من قصص الشعوب المقاومة للغزاة على مر العصور

من اهم الأبتكارات هو مجتمع ال "اومي تيكايا" الذي صنعه كاميرون في هذا الفيلم
نقلة هائلة على صعيد الصورة الثلاثية الأبعاد والمزيج الخلاق بين الواقع و المقابل الأفتراضي

لماذا حجبت الجوائز الكبرى للأوسكار عن افاتار ومنحت لخزانة الألم؟

طاهر علوان

ترى الى أي مدى يمكن ان تمتد رغبة الأنسان ، طموحه وسعيه، ان يخرج من كينونته الآدمية متحولا الى كائن آخر يعيش في ازمنة واماكن اخرى ، يستكشف فيها عوالم غير مرئية ولامدركة بالحواس البشرية المعتادة ..والى أي مدى يمكن ان نمضي مع هذا الخيال المتدفق الجامح ؟
لاشك ان لاحدود تحد هذا الخيال ، ولا اطر تؤطره مادام قادرا على مزج واقعه وكينونته الفيزيائية بواقع وكينونة اخرى لاسيما في ظل المزيد والمزيد من الأخبار والتنبؤات والأبحاث في موازاة الخرافات التي تتحدث عن وجود كائنات وعوالم اخرى تعيش بعيدا عنا بملايين الأميال بل ان هنالك من يتحدث عن اقوام يعيشون في كواكب بعيدة وهم على مستوى متقدم في ميادين العلم بل يمتلكون خارقيات لاقبل للعقل البشري باستيعابها .
من هنا تجد افلاما وقصصا من هذا النوع قبولا ورواجا ونجاحا ويستقبلها الكبار والصغار بمزيد من الأهتمام ..وهكذا اطل المخرج ذائع الصيت (جيمس كاميرون ) صاحب التيتانيك ومحطم الرقم القياسي في الواردات في شباك التذاكر متجاوزا المليار دولار ، يطل علينا في فيلم (افاتار) ليصنع في اوساط جمهوره دهشة عظيمة وغير مسبوقة مصحوبة باهتمام اعلامي ودعائي كبير ..فالأفاتار ، ذلك الكائن الذي انتجته مختبرات التجارب والأبحاث الأمريكية صارت ولادته بمثابة ولادة عصر جديد للسينما يدشنه كاميرون من خلال التقنية ثلاثية الأبعاد التي قدمت عالما ساحرا وخلابا مليئا بالأساطير والدهشة وصولا الى التفاعل الذي يستشعره المشاهد مع ذلك الأفاتار العجيب ..
مختصر القصة
تقرر قوات المارينز الأمريكية ان تنفذ خطة اجتياح كوكب بعيد عن الأرض بعد عدة عقود من الآن وازاحة السكان الأصليين لغرض السيطرة على معدن ثمين يسمى (يونوبتانيوم) ، ولهذا الغرض يقرر ارسال الجندي جايك (الممثل سام وورثنغتون ) بديلا عن شقيقه الذي قتل في حادث وبسبب الخريطة الجينية لكل منهما يتم ارسال هذا الجندي المشلول والذي يتنقل على كرسي متحرك الى ذلك الكوكب ولكن بعد اخضاعه الى برنامج مكثف ومعقد يتحول فيه الى افاتار ، كائن بطول ثلاثة امتار ، ازرق اللون وله ذنب ، ولكنه وهو يصل الى ارض ذلك الكوكب يبقى على اتصال مع جسده الأصلي الذي يخزن في شبه تنويم مغناطيسي وبعد وصوله الى كوكب(باندورا) المجهول يعيش مغامرات عدة ويقع في غرام فتاة ويحتجز بقصد التخلص منه لكن ملكة الكوكب تقرر الأفراج عنه في مقابل ان تعلمه ابنتها عاداتهم ولغتهم وينتهي به المطاف الى التعاطف مع سكان الكوكب وانضمامه للدفاع عنهم ضد غزو المارينز في معركة غير متكافئة تستخدم فيها امريكا – كالعادة- جيوشها الجرارة واسلحتها التدميرية الفتاكة وتكنولوجيتها المتقدمة في مقبل قتال اهل ذلك الكوكب بالقوس والنشاب و العقيدة الروحية العميقة لتندحر قوات المارينز في النهاية .
بين الميثولوجيا والتكنولوجيا
لعل اول مايلفت النظر في هذا الفيلم هو ذلك المزيج المدهش مابين الميثولوجيا وبين مستحدثات العصر التكنولوجي ، فقصة اقوام (النافي) .ربما تتماهى وتلتقي مع العديد من قصص الشعوب المقاومة للغزاة على مر العصور ، كما ان ايمان سكان الكوكب بالغيب والميتافيزيقيا هو عزف آخر على وتر الشعوب التي تعيش في داخلها معتقداتها الروحية دون ان تتخلى عنها ، ولهذا يتم التنويع على تلك العقيدة الروحية من خلال اظهار مشاهد الغناء او الصلاة او التراتيل الجماعية والثقة بالطاقة الروحية التي تنطوي عليها تلك الشجرة العملاقة المسماة (شجرة الأسلاف) والتي تقع تحت ظلالها وفي اكنافها مقتلة عظيمة تنتهي بأحراق الشجرة ماديا دون ان تحترق الروح والطاقة الروحية التي تختزنها تلكم الشجرة لاسيما وانها شجرة تنطوي على صلة عميقة مع الأجداد ، وتجد في حديث الأم الملكة الكثير من تلك الترانيم والطقوس التي تنتشر في ثقافات الهنود والأزتيك والبوذيين وغيرهم مما تم مزجه عبر شخصيات تلك القبيلة ، وفي مقابل ذلك تبرز التكنلولوجيا في ارقى ماوصلت اليه العبقرية العسكرية والأستخبارية والتجسسية الأمريكية ، انهم جميعا يقيمون في شبه مكوك يديرون عملية التخطيط لغزو الكوكب ، والتكنولوجيا هنا هي الوجه المقابل العكسي لتلك العوالم المطموسة والمجهولة لسكان الكوكب ، ومابين تلك الكفاءة التكنولوجية في المراقبة والرصد وفي الطائرات والمروحيات غريبة الأشكال ، يبقى الهدف واحد الا وهو : الغزو والأحتلال ، استخدام التكنولوجيا للأستحواذ على ثروة شعب مسالم ينظر اليه المارينز على انهم مجرد حيوانات جاهلة لاتستحق ان تمتلك تلك الثروة
.
مجتمع "اومي تيكايا"
من الأبتكارات الخلاقة التي ابدعها جيمس كاميرون : سيناريو واخراجا وتصويرا ومؤثرات وخدعا بصرية وادارة انتاجية و ادارة فنية ، من اهم هذه الأبتكارات هو مجتمع ال "اومي تيكايا" الذي صنعه في هذا الفيلم ، انه مجتمع افتراضي والكائنات فيه افتراضية ، لكنها تمتلك سر قوتها الخاصة ابتداءا من الملامح المشتركة للشخصيات التي تم نحتها بعناية فائقة وتقديم كائنات لايملك المرء الا ان يتوقف عندها وقد لايقبل اشكالها للوهلة الأولى متسائلا ان كانت شريرة ام طيبة ؟ واذا كانت شريرة فأنها تبرر استئساد ( الأصدقاء الأشاوس ) مارينز امريكا لتأديبهم وتلقينهم درسا ديموقراطيا ، ولكنك سرعان ماستقبل تلكم الشخصيات وتسيغ طباعها ثم تدريجيا تحب خفة حركاتها ثم تندهش من بساطتها ثم تعجب بطيبتها ثم تتفاعل مع حكمتها ثم تجزم ان ماتراه ليس الا مجتمعا مسالما يكتنز قوة روحية تعينه على البقاء هكذا كأي مجتمع بدائي بسيط ولكنه ليس مجتمعا من آكلي لحوم البشر بل انه مجتمع متسامح بدليل انه قبل اكثر من واحد ممن يسمونهم (سكان السماء) وكان جندي المارينز احد الذين قبلت تلك القبيلة ان يكون عضوا فيها .
ويضاف الى خواص ذلك المجتمع انه ومن وجهة نظر انثروبولوجية يمتلك مقومات المجتمع المنظم ، وفيه تركيبة اجتماعية متماساكة وتسود فيه قيم الطاعة والألتزام والعمل المثابر ومازلنا في حدود مجتمع افتراضي ولكنه مجتمع حي مع ان افراده غرباء الأشكال بأطوالهم التي تقترب من ثلاثة امتار واشكال عيونهم وانوفهم فضلا عن الذنب المدهش الذي يتلوى اسفل ظهورهم .
وتكمل كل هذا بيئة افتراضية ، بيئة ساحرة ومدهشة وكل ماستقوله عنها قليل ، فأشكال الشجر والزهور والجبال والسهوب والوديان والبحيرات والأحراش لاتملك ازاءها الا ان تعجب وتتعجب من تلك العبقرية التي انتجت كل هذا الجمال ، لتكتمل الصورة مع تلك الكائنات الطائرة او الزاحفة ، اشكال افتراضية لحيوانات تشبه الديناصورات لكنها بأجنحة تحلق بخفة وتناور في الجو بخفة تبز فيها الطائرات المقاتلة ثم هنالك تلك الكائنات الطائرة المسماة (ايكران) وهو نوع وحشي منه ومن يستطيع قهر الأيكران هذا فأنه يستحق ولاء القبيلة واحترامها لأن ذلك يعني انه يمتلك قوة خارقة وذلك مايحصل مع صاحبنا ( الأفاتار- جندي المارينز سابقا) والذي تنحني له القبيلة وتتوله فاتنتهم ( نايتيري- الممثلة زاو سالدانا ) وتتيه فيه حبا وغراما .
مجتمع المارينز
هنالك في المقابل مجتمع المارينز الذي فيه مافيه من طباع الفرد الأمريكي وكذلك طباع وكلمات وسلوكيات وحركات الجنود الأمريكان المارينز الذين كرست (الميديا ) الأمريكية الجبارة كل عبقريتها وامكانياتها لتمجيدهم وارعاب الناس من بطشهم ، هذا المجتمع سيتمثل سريعا في افواج من المحاربين المكلفين بغزو ذلك الكوكب دون ان يسأل واحدهم : لماذا ؟ وما جريمة اولئك القوم كي نحرقهم بالقاصفات وندمر ارضهم ونحرقها بالقنابل ونمزق اجساد ابنائها ...لماذا؟ لا احد يسأل هذا السؤال ولا احد يجيب ماعدا وصف احدهم سكان ذلك الكوكب الذين يعيشون في شبه محمية طبيعية ويكتنزون طاقة روحية اذ يقول فيهم قولا مأثورا :
" الأقوام الذين لديهم تواصل روحي هم مجرد حيوانات بذنب"
وفي المقابل هنالك صوت هامس مستنكر ساعة صعود المارينز تلك المركبة التي ستقلهم الى ذلك الكوكب اذ يقول :
"المارينز المدافعون عن الحرية هم هنا مجرد صعاليك"
ومايلبث آخر ان يردد معبرا عن فكرة الغزو ومسخ ثقافة الآخر قائلا:
" من اجل ماذا يسلمون وطنهم ؟ من اجل البيرة الخالية من الكحول والجينز الأزرق؟"
هذه هي المعادلة التي تلخصها مهمة المارينز ، انهم خاضعون لسلطة الجنرال العدواني (ستيفن لانج ) في مقابل تعاطف العالمة (جريس – الممثلة سيجورني ويفر) التي تمثل نقطة توازن انساني تدفعها الى اكتشاف تلك الأقوام المجهولة لأقامة صلة معها ومع كوكب الأرض دون ان يقع في خاطرها فكرة القتل والغزو وهي التي تعيش حلمها الكبير ان تصل الى الشجرة المقدسة لأخذ عينة منها ومن جبال (الهلالويا) وتكون المفاجأة انها تلفظ انفاسها تحت تلك الشجرة المقدسة معبرة عن تواصل روحي مع اموات تلك القبيلة وفيما مجتمع المارينز مدجج بالتكنولوجيا المتقدمة ، بالقاصفات والقنابل والمروحيات الهجينية الغريبة التي ابدعتها عبقرية المخرج ، الحاصل انك لاتخرج من مجتمع المارينز الا بصورة نمطية للجيش الذي لايقهر واذا بتلك القبيلة البدائية تحطم كل ذاك الكبرياء بفضل الطاقة الروحية والدفاع المستميت الذي مارسه افراد القبيلة وبالطبع مع مهارات الأفاتار الذي ابلى بلاءا حسنا وعلى يديه كان اندحار الجنرال الشرس والعدواني الذي بمقتله ينتهي كل شيء وذلك في مشهد صراع شرس وقتال دامي يشبه كثيرا العاب الفيديو التي يولع بها الفتيان والفتيات بمعنى اني اعده من اضعف مشاهد الفيلم على الأطلاق .
الدراما الفيلمية والبنية السردية
مما لاشك فيه ان فكرة الصراع هي فكرة راسخة وعميقة في هذا الفيلم ، فالدراما الفيلمية تتصاعد بشكل منطقي وتجد الأحداث دافعيتها وتصعيدها ، وتتدرج تلك الدراما في ظل صراع شرس من اجل البقاء وليس اشد قوة درامية من فكرة الصراع من اجل البقاء ، وحتى بالنسبة للأمبراطورية الغازية هنالك دافع لقتل اولئك القوم في ذاك الكوكب ، ربما لأنهم لايستحقون الحياة او لايستحقون تلك الثروة الهائلة المتمثلة في معدن (اليونوبتانيوم ) الثمين ، ربما هو تخريج بشع ولا انساني ولكن (كل قوم بمالديهم فرحون) بمعنى ان الأمبراطورية اذ تخوض صراعها الشرس وتزج بالمارينز زرافات ووحدانا الى محارق الحروب فأنها تكون قد بلغت شأوا في اقناع شبابها بشرعية تلك المهمة وتاليا شرعية هذا الصراع من اجل البقاء ، وعلى هذا ينقسم البناء الدرامي على وفق دافعيات متعددة ولكنها تختصر في دافعية المارينز ودافعية قبيلة (نافي ) ولهذا تنقسم الأحداث بالقسطاس على هاتين الدافعيتين ونمضي الفيلم ونحن اما في مقصورة قيادة المارينز المحجوبة عن التلوث الذي يمثله كوكب (باندورا) لأن خواص المارينز البيولوجية كبشر – بحسب الفيلم- لاتمكنهم من العيش في تلك البيئة لأنهم اذا مااستنشقوا هواءها فسيموتون فورا ولهذا يرتدون الأقنعة اذا ماخرجو الى ذلك الفضاء او على ارض الكوكب .
في المقابل تجري اعادة صياغة الزمن الفيلمي بشكل محسوب ودقيق ، مما يمنح السرد الفيلمي قدرا كبيرا من التماسك والموضوعية وينسحب ذلك حتى على الأيقاع الفيلمي مابين بيئتين متباينتين تباينا صارخا ، فالأيقاع عند التصوير على ارض ذلك الكوكب الأفتراضي حيث الحياة البسيطة والتفاعل اليومي مع الطبيعة هو ليس نفسه الأيقاع المتسارع ونحن في مقصورة قيادة المارينز التي تتسيد فيه التكنولوجيا ولغة الكومبيوتر المتطورة ، وعلى هذا اكتسب السرد الفيلمي خواصه المميزة في تأسيس سلسلة من البنى الفاعلة وكمايلي:
- البنية السردية الفاعلة الأولى : وتتمثل في دافعية المارينز للغزو والأجتياح وهي دافعية جمعية بمعنى انها غير مرتبطة بالشخصية الرئيسية في الفيلم او من حولها وهم بضعة افراد وعلى هذا كان من الصعب التخلص من تلك الدافعية او تجاوزها او حرفها عن مسارها بل ان العكس هو الصحيح اذ كانت تلكم الدافعية سببا في اذعان المجموعة لقرار الغزو وهو ماشكل بنية سردية فاعلة محركة لمايلي من نتائج .
- البنية السردية الفاعلة الثانية وهي الدافعية الذاتية : وتتمثل في دخول الشخصية الرئيسية (جندي المارينز ) دائرة الفعل السردي منطلقا اولا كما يبدو للوهلة الأولى من الرغبة في الأكتشاف ربما ، ثم ليتطور الأكتشاف بعد خوض التجربة الى مغامرة غير محسوبة ساعة ان تطأ قدماه ارض الكوكب المجهول فيخوض صراعا مع كائنات ومخلوقات شتى وتتطور تلك المغامرة الى علاقة حب مع ( نايتيري ).
- البنية السردية الثالثة : وتتمثل في دافعية قبيلة (نافي) المدافعة عن نفسها في وجه الغزو والأجتياح والقتل والحرق والتخريب الذي تمارسه جيوش المارينز المدججة بأسلحة الفتك الجماعي ، وهي دافعية جمعية موازية طبعت الشخصيات وكنا ازاء قرارموحد تم بموجبه صياغة الأفعال والأحداث على وفق اتجاه واحد يتمثل في التخلص من ذلك الحتم المدمر ولاسبيل الا بتصعيد السرد الى درجة الصراع الشرس من اجل البقاء .
السينما ثلاثية الأبعاد ابتداءا من افاتار
كلام كثير انتشر مواكبا عرض الفيلم على انه بداية عصر جديد للسينما ثلاثية الأبعاد حتى قال البعض ان هنالك زمنان سينمائيان وتاريخان سينمائيان وهما ماقبل افاتار ومابعده .
ولاشك ان الفيلم يشكل نقلة هائلة على صعيد الصورة الثلاثية الأبعاد وذلك المزيج الخلاق بين الواقع والشخصيات الحقيقية وبين المقابل الأفتراضي لها والذي تصنعه برامج الكومبيوتر المتطورة ، لكن النقطة الفاصلة هنا تكمن في النجاح الباهر الذي وصل اليه صانعوا هذا الفيلم في ادماج المشاهد بذلك العالم الأفتراضي ، بمعنى ان الأحساس السابق المتراكم الذي كان ينظر الى تلك السينما التي انتجتها التقنيات الرقمية بدأ يتلاشى بالتدريج بل ان تفاعلا خلاقا من لدن المشاهدين بأمكانك ان تتلمسه مع كل كل من شاهد الفيلم : هنالك احساس عميق بالطبيعة وحركة الموجودات وماالى ذلك بمعنى ان تلك البيئة الغرائبية لم تعد كذلك بل هي بيئة اليفة وممكن قبولها بل وان نحبها بأشجارها وطيورها ومخلوقاتها الغريبية .
وعلى هذا كانت التقنية ثلاثية الأبعاد في هذا الفيلم قد حققت سبقا ونجاحا سيجعل الآخرين يلهثون للحاق بهذه المخيلة المدهشة التي انتجت كل هذا الجمال اللوني والصوري واعطت للمكان بهاءا حلميا وشاعريا خاصا .
سينما المخرج( كاميرون ) القائمة على ادهاش المشاهد من جهة وتقديم شخصيات وموضوعات مؤثرة كما هي في اغلب ان لم نقل كل افلامه تجدها هنا امام امتحان هائل يتمثل في كيفية نقل تلك المغامرة المكررة الى درجة الملل الا وهي مغامرات حرب النجوم واجتياح كواكب اخرى وخوض الحروب معها ،كيفية نقلها من هذا النطاق الى ماشاهدناه في افاتار ، كيفية تجسيد خيالات الكاتب ( وهو المخرج نفسه) مرورا بالتكنولوجيا الرقمية ثلاثية الأبعاد ؟ اذ لو اخفق الفريق التقني في ترسيخ القناعة لدى المشاهد والتفاعل مع الشخصيات والأحداث لكانت تلك التقنيات ليست اكثر من مؤثرات بصرية مصطنعة .
ولاشك ان المخرج كان ذكيا الى حد كبير في اخياره لذلك الأدماج الخلاق مابين التقنية ثلاثية الأبعاد وبين الخط الواقعي بمعنى ان لديه جمهور جاهز يعد بالملايين في جميع القارات ممن ادمن العاب الفيديو والمغامرات الحربية حتى انك تستطيع وبلا تردد ان ترشح الفيلم لكي يشاهده الشباب ومن هم في سن المراهقة ممن درجوا على ممارسة العاب الفيديو القائمة على الصراع والقتل المتواصل من اجل القتل ، لكننا هنا امام مسألة اخرى ممثلة في قصة انسانية فيها كثير من المقومات الأخلاقية خلاصتها حق الشعوب في العيش الآمن والتمتع بحياتهم وثرواتهم والحفاظ على معتقداتهم وبنية مجتمعاتهم وهو مامثلته قبيلة (نافي ) في مقابل النزعات العدوانية والأنتقامية وعقدة ابادة المجتمعات الأخرى وتخريبها وقتل ابنائها ونهب ثرواتها وهو مامثله جيش المارينز ، ولعل هذا هو العنصر المفصلي في الفيلم الذي جعل كل ذلك الجمهور العريض يندفع متلقفا تلك التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد المندمجة مع قصة انسانية مضافا اليها ذلك الحب الشفاف والعميق بين الأفاتار وبين ( نايتيري ) وهي علاقة اضفت على الفيلم بعدا رومانسيا آخر مؤطرا بسؤال قد ينشأ في داخل المشاهد قوامه : ياترى كيف يحب الأفاتار بعضهم ، كيف هي عاطفتهم ؟ بل وكيف يتبادلون القبل فيما بينهم ؟ وكيف يشاركون بعضهم البعض التعبير عن العاطفة والحب في السرير ؟ فكيف اذا كان ذاك السرير ليس الا احضان الطبيعة الساحرة ؟
المارينز المنتصر حتى لو كان مشلولا ومقعدا !!!
لاشك ان تمجيد الفرد هي سمة غير مباشرة في كثير من الأفلام الأمريكية خاصة تمجيد افراد المارينز والمحاربين المضحين من اجل نشر القيم الأمريكية الديموقراطية ، لكننا هنا امام مسألة اخرى الا وهي ان المارينز يواصلون مهمات الغزو واجتياح الشعوب الأخرى حتى بعد مئة سنة او اكثر من الآن لأن الفيلم يتحدث عن العام بمعنى ان البشرية حتى ذلك الحين ستبقى اسيرة عقدة غزو الآخر من وجهة النظر(المارينزية !!!) ، وستضاف اقوام اخرى للقائمة اضافة للهنود الحمر والفيتناميين والبناميين والأفغان والعراقيين وغيرهم ، لكن المارينز تقدم قدرة خارقية جديدة وهي ان افرادهم حتى المعاقين والمشلولي الأطراف منهم ، هم جاهزون لتلبية نداء الغزو والأجتياح كما هو هذا الفيلم ، وبالرغم ان الشخصية الرئيسية ( جندي المارينز ) لايقابل الا بالسخرية من لدن اصحابه للوهلة الأولى متسائلين كيف يمكن لمعاق ان ينظم الى حملة عسكرية كبيرة تحتاج الى الجهد البدني وطاقة التحمل؟ وهو تمهيد ذهني للمشاهد خلاصته : اننا سنريكم كيف بأمكان هذا الجندي المعاق من افراد المارينز ان ينجز مهاما يعجز عن انجازها الوف البشر غير المعاقين وهو ماكان فعلا ، لكن (بمالاتشتهي السفن) ان تجري الرياح بعكس الأستراتيجية التقليدية في الأنتصار الهوليوودي وزهو سحق الآآخر ، ما صححه ( كاميرون) هو ان المارينز المدججين بأمرين هما: عقيدة الغزو و القوة الهائلة : الحربية والتكنولوجية قد يهزمون على ايدي اقوام بدائية تقاتل بسلاح بدائي هو القوس والنشاب لكنها تتمتع برضا روحي ويقين بالأنتماء الى ارضها والحفاظ على معتقداتها .
لماذا حرم افاتار من الجوائز الكبرى للأوسكار؟
سؤال ردده ملايين البشر في انحاء الأرض وتحدثت عنه الصحافة والمهتمين ..فالأفاتار يستحق عن جدارة وبلا ادنى شك ولا منازع جائزة احسن فيلم وباقي الجوائز المهمة كأحسن اخراج وسيناريو ومونتاج وهو يمتلك المؤهلات التالية التي لايمتلكها منافسوه :
انه فيلم متكامل العناصر الفيلمية : اخراجا وموضوعا وقصة وسيناريو واخراجا ومونتاجا وموسيقى ومؤثرات بصرية .
انه فيلم فيه مساحة هائلة من الأبتكار الذي لم يسبقه اليه فيلم آخر : ابتكار الشخصيات ، ابتكار البيئات ، ابتكار الكائنات والمخلوقات الغريبة وابتكار الشكل السينمائي .
انه فيلم يؤسس لعصر جديد حقا في مجال السينما ثلاثية الأبعاد ويشكل نقطة تحول وتحديا امام من سيأتي من سينمائيين قد يقدمون على تلك المغامرة ثلاثية الأبعاد .
انه فيلم على درجة متقدمة من الأدارة الفنية المتكاملة ووحدة البناء المتماسك مابين الأبهار البصري وبين الدراما الفيلمية المتصاعدة .
ربما تكون هذه الأسباب والمؤهلات اكثر من كافية لتتويج افاتار بدلا منن جوائز الترضية التي منح اياها ولهذا ستكون مفارقة ان يمنح فيلم متواضع في كل شيء وقصته مستهلكة وهو فيلم خزانة الألم كل تلك الجوائز ...
لااحد يعلم بكل تأكيد لم كل ذلك التطبيل والترويج لفيلم خزانة الألم الى درجة ان تطلق عليه وسائل اعلام امريكية انه " بمثابة انتصارلمحور الخير" !!!!
ولا احد يعلم دوافع المحكمين الذين هيأوا الرأي العام مسبقا بمنح الفيلم جائزة ( بافتا) للأكاديمية البريطانية للفيلم ثم ليمنحوه كل تلك الجوائز ...
لكن ربما كانت معالجة فيلم افاتار في الأخير والتي انتهت بدحر جيوش المارينز وانتصار قبيلة (نافي ) البدائية واحتفاظها بأرضها وثرواتها وعقيدتها الروحية ، ربما كانت معالجة مرفوضة من وجهة نظار صناع القرار والبروباغاندا الحربية وهي التي اجهزت على ترشيح الفيلم من وجهة نظر سياسية ودعائية تمس هيبة القوات الأمريكية الضاربة التي لاتقهر ربما ، فكيف تقهرها كائنات ذات ذيول ؟ ربما كان احجام الفيلم عن القاء خطاب النصر من على ظهر احدى البوارج الحربية الأمريكية وتبادل الأنخاب ، ربما كان هو السبب ولكنها مهزلة ان صحت هذه الفرضية وتم بالفعل تجاوز كل مقومات هذا الفيلم الهائل وحصرها في تلك الزاوية الضيقة ...والا ...لايوجد أي سبب آخر منطقي ...





Time is measured from nothing but an imaginary CLOCK

في الصورة ..باتجاه الأبعاد
...تولد الصورة من رحم الأشياء ، من تلافيف الزمان والمكان لكنها الصورة الأم صورة التكوين وملاذ الكلمة حيث تتحد شظايا الصورة بشيفرة الكلمة لتصنع كينونة جديدة ، كينونة اخرى تليق بهذا المقدس العجيب المقدس الكامن في ابجدية الصورة وفي مكونها الجيني انسالها التي تتخلق بين ايدي اولئك المكتوين بالأبداع


Text Widget

............................................................................
A coverage for the International festival for the idependent film (Bruxelles )

http://www.cinearabe.net/Article.aspx?ArticleID=1918&SectionID=1&SectionName=الصفحة%20الرئيسية


http://www.cinematechhaddad.com/Cinematech/WrightsInCinema/WrightInCinema_TaherElwan.HTM

http://www.tunisalwasat.com/wesima_articles/index-20070706-6651.html

شكرا لكم على التهنئة لمناسبة تكريمي بميدالية المدينة الذهبية من عمدة مدينة بروكسل ..خاصة الى :
هشام الصباحي - الفنان التشكيلي العراقي حسن حداد - الناقد السينمائي البحريني حسن حداد - ليلى السيد - كاترين مونتوندو - صفاء ذياب - مريام فيرنديت - حسين عباس - اياد الزاملي - شاكر حامد - حسن بلاسم - عدنان المبارك -د.اكرم الكسار - د.خليل الزبيدي - شيركو -كرم نعمة-قناة الشرقية - جريدة الصباح - لطفية الدليمي - فؤاد هادي - د.سامي علي - جنان شمالي -رانيا يوسف - رضوان دويري -اشرف بيومي - رانوبون كابيتاي - ايميلي بالمر -ميك فوندربروكن - فريدي بوزو - ارين برديتشي- د.عمار العرادي - دينيس فيندفوكل - هانا فرانوفا - جوانا تاكمنتزس

..........................................................................

#طاهر علوان في حوار على القناة الأولى في التلفزيون البلجيكي ..اذهب الى الرابط لطفا

http://www.een.be/televisie1_master/programmas/e_kopp_r2006_a027_item1/index.shtml

موقع مهرجان بغداد السينمائي وجمعية سينمائيون عراقيون بلا حدود
http://cinbord.blogspot.com/



السلام عليكم ..welcome ... to my cinema blog...........TAHER ALWAN



تكريم الدكتور طاهر علوان بميدالية المدينة الذهبية من قبل عمدة مدينة بروكسل



بروكسل - (وكالات ): منح عمدة مدينة بروكسل (فريدي ثيلمانس ) ، الدكتور طاهر علوان ميدالية المدينة تقديرا لعموم منجزه السينمائي والثقافي في حفل جرت وقائعه في مبنى المؤتمرات في العاصمة البلجيكية بين نخبة من العاملين في حقل السينما نقادا ومخرجين واكاديميين من عدد من بلدان العالم من ذوي التميز المشهود .

واختير طاهرعلوان اختير مؤخرا عضوا في لجنة التحكيم الدولية لمهرجان السينما المستقلة في بلجيكا.

وتحدث في الحفل روبير مالنيكرو مدير مهرجان السينما المستقلة منوها بجهود طاهر علوان ومنجزه ومواصلته مشروعه السينمائي فيما حيا رئيس المهرجان مارسيل كراوس من خلال الدكتور طاهر عموم السينمائين ، ورحب عمدة المدينة بالتكريم متمنيا للسينمائيين التقدم .

وتحدث طاهر علوان شاكرا عمدة المدينة وادارة مهرجان السينما المستقلة على مبادرتها وتكريمها الذي عده فخرا كبيرا له وللسينما والثقافة واعترافا بتجدد الحياة الثقافية والسينمائية .

وامضى علوان الذي يحترف الكتابة القصصية والنقد السينمائي مايقرب من ربع قرن من العمل سواء في التدريس الجامعي او في النشر وهو مؤسس مهرجان بغداد السينمائي الذي اقيم في دورته الأولى عام 2005 وتقام دورته الثانية في اواخر شهر كانون الأول ديسمبر ، وهو ومؤسس ورئيس تحرير مجلة عالم الفيلم وهو ناقد سينمائي وعضو في لجان التحكيم في عدد من المهرجانات


......................................

المقالات في موقع سينماتيك

http://www.cinematechhaddad.com/



.......................................................................
كافة الحقوق محفوظة ..ولايسمح بأعادة نشر المقالات المنشورة في هذه المدونة في اية وسيلة نشر من دون الحصول على موافقة مباشرة من صاحب المدونة لأن ذلك يعد مخالفة قانونية لحقوق المؤلف والملكية الفكرية كما انه يعد نوعا من انواع السطو على جهود الآخرين ..آملين تفهم ذلك ..وشكرا
......................................
دعوة للجميع

ورشة سينما ..مجلة سينمائية مستقلة متخصصة لجميع المستويات : محترفين وهواة تقدم محاضرات ومقالات ودراسات واستطلاعات وكتب سينمائية وورش عمل ونصوص سيناريو واستشارات وهي ورشة مفتوحة للجميع ..مقالات ودراسات ومحاضرات في العديد من قضايا السينما في العالم العربي والعالم ..وهنالك المزيد ....دعوة للمشاركة ..ودعوة لزيارة الورشة على الموقع :
http://cineworkinst.eu































اصدقاء جدد لورشة سينما...اهلا


عالم من الشعر والموسيقى ..قراءات للعالم والناس والأماكن والذكريات ..تتجدد في مدونتي ..صعود القمر ..
enjoy it
http://themoonrising.blogspot.com/
............................................................
مدونتي بالأنجليزية : شعر باللغة الأنجليزية وموسيقى وباستمرار هنالك نصوص جديدة http:taheralwan.blogspot.com/
..........................................................
to contact me
dimensions_man@yahoo.com

.............................................
تصميم مدونة "ابعاد" : احمد طاهر























































































































































































































































































































































































































































العدد 61السنة الرابعة
شكرا لكم على الزيارة
مدونتي الأدبية : صعود القمر
مدونتي باللغة الأنجليزية































































تصميم المدونة :احمد طاهر
Designed by : Ahmed Taher

دفاتر


دفاتر

لغة الأدب ولغة الفيلم المعاصر

طاهر علوان



"العلامة تؤسس بذاتها المادة النوعية للسينما"

جاكوبسن

I



تتكاثر الشاشات من حولنا ، والأصوات تملأ الأماكن ، ونحن وسط التدفق الجبار لوسائل الاتصال السمعية البصرية نشهد كيف تتوالد في هذه المدارات الجمالية المشرقة ابداعات الإنسان التي لا تعرف إلا التجدد والتألق، فالشاشات تكتظ بالجديد، وآلات التصوير ما زالت تدور منذ مائة عام ونيف، والحصيلة مئات الآلاف من الأمتار من أشرطة الصورة ومثلها أشرطة الصوت وما زالت المكائن تدور والأصابع تضغط على مفاتيح آلات التصوير لتولّد المزيد والمزيد من الصور.

ولم تكن نشأة السينما وظهور انتاجها الفعلي في العام 1895 على يد الاخوة لومير في فرنسا، إلا تأكيداً لمقولة ان الأدب يتمظهر عبر الصورة هذه المرة ويقدّم دلالاته. فالرواية والقصة والشعر وبموازاتهم جميعاً ـ المسرح، قد ألهموا البشرية ابداعاً لا ينقطع من خلال صدق التعبير عن تحولات الحياة وارهاصات الذات الإنسانية. ولذا وجدت (الصورة) في ذلك الإرث الإنساني الهائل رافداً لا ينقطع لتحولات الأفكار من (الكلمة) الى (الصورة). انه تعميق لاشكالية راسخة من اشكاليات (التلقي) تلك التي عنيت بها المدرسة الحديثة في علوم السرد خاصة.. بين ان يجري التعبير بالكلمة والمروي، وبين التعبير بالصورة.. بالشريط حيث يكون المروي محمولاً بمكوناته ومدخلاته. من هنا وجدنا ان هنالك تواصلاً عميقاً في طرائق التعبير، بين الكلمة والتخيل من جهة، وبين التجسيد والتعبير المباشر الذي يحرك الحواس (السمع والبصر) مباشرة، موظفاً (الحركة) لتعميق التعبير.







ان هذه الاشكالية تحيلنا الى توظيف أدوات التعبير ، وتداخلاتها، فإذا كان كاتب النصّ يجد نصّه وقد تحول الى الشاشة عبر آلاف الصور، فانه ازاء مد غزير من الوسائل و الأدوات التي تقدم الصورة، فالصورة ليست حالة مجردة مرئية فحسب، بل هي كما نعرف مد مركب من (الشيفرات) الداخلية ليس أقلها أهمية اللون والعمق والإضاءة والتكوين، انه هنا تتويج لما قطعته البشرية عبر تاريخها في ميدان الفن البصري، فما تتيحه (الآلة). آلة التصوير من خيارات لا تنتهي تجعل من معطيات التعبير عن (الإبداع الأدبي) أُفقاً لا تحده حدود من خلال ما يتيحه من قدرات عبقرية للتجسيد.











II











إن الصورة صارت تشكّل مفاهيمنا ، وكما يذهب (دافيد كوك) أحد أهم المنظّرين للصورة السمعبصرية، في قوله: "ان القليلين هم الذين تعلموا كيف يفهمون الطريقة التي تمارس بها هذه الصور تأثيرها، انها تخلق العديد من الرسائل التي لا تريد أن تنتهي، والتي تحيط بنا من كل جانب، وبتشبيه هذه الحالة فاننا، مع اللغة المكتوبة والمنطوقة، يمكن أن نعد أنفسنا أميين فنحن نستطيع أن نستوعب أشكال اللغة دون أن نفهمها حقاً فهماً كاملاً وشاملاً.



بحسب جاكوبسن ، فاننا ازاء بنية النص وما تنطوي عليه من علاقة بين الرسالة التي لها نسقها المرتبط بالنص وشفراته الخاصة، تلك التي تتمظهر في الكلام المروي أو الرسائل التي تنقل داخل النص نفسه. يضاف لذلك إدراكنا لبنى مزدوجة تنطلق من قاعدة معرفية تفسر الرسالة عبر تفسير الشيفرة. ونجد ان هذه المعطيات الداخلية للنص تعززها وجهة نظر توماشفسكي، مثلاً في تحديده للمتن الحكائي للنص، بوصفه عرضاً لمجموع الأحداث المتصلة فيما بينها، والتي تكون المادة الأولية للحكاية، وبموازاة ذلك يبرز المبنى الحكائي، بوصفه نظاماً خاصاً بالنص لطريقة ظهور الأحداث في المروي ذاته.



وسننطلق من الحدث تلك البؤرة التي تتجمع من حولها اتجاهات النص فتتكشف أفعال الشخصيات ودوافعها والحيز الزماني والمكاني الذي يؤطر ذلك الحدث.







III











إن هذه المعطيات : الشخصية / الحدث / الزمان / المكان ، ظلت تحرك الإطار التجريبي للنصوص زمناً طويلاً، ويشير تاريخ الرواية بشكل خاص، الى تلك التحولات العملاقة التي شهدها الفكر الإنساني الذي تجسد في الرواية كمدار كامل للحياة البشرية، حيث سُـجّلت عبرها سيرة الإنسان بعمق وتنوع ملفت.







وإذا كان الشكل الكلاسيكي للرواية قد أعطى الدرس الأول في المكونات الرباعية آنفة الذكر، فانه قدم أرضية واسعة (للحبكة) التي تتحرك بموجبها الأحداث. ولذا وجدت الدراسات السردية فيما بعد مدىً مكتملاً يتيح التعرف على الآليات التي تتحرك بموجبها الأحداث والدوافع الظاهرة والكامنة التي تحث الشخصيات كي تفعل شيئاً أو تقول شيئاً.







ومن هنا وجدت ان الإبداع الأدبي ـ الروائي ـ خاصة قد يؤثر في خصائص لم تكن جميعها في خدمة (الصورة)، بل ان هنالك هامشاً من التجربة قد وجدت الصورة نفسها ازاءه أمام أسئلة كثيرة وعديدة. ولم تكن تجربة المخرج الروسي الرائد (ايزنشتاين) في محاولته غير الموفقة لنقل رواية (يوليسيس) لجيمس جويس إلا صورة من صور هذه العلاقة الاشكالية، بمعنى ان التطور البنائي للرواية لم يكن يعني تطابق ذلك التطور مع احتياجات السينما من النص. ولتقريب الصورة نجد ان المنظّر الكبير (ادوين موير) يستقرئ النص الروائي من وجهة نظر أخرى تحاكي (الحاجة) الحقيقية للصورة المرئية.























































































































































































































































































































































































انتقلنا الى الموقع الجديد لورشة سينما

انتقلنا الى الموقع الجديد لورشة سينما

عمدة مدينة بروكسل فريدي ثيلمانس في حفل تكريم طاهر علوان

عمدة مدينة بروكسل فريدي ثيلمانس في حفل تكريم طاهر علوان

قريبا ...قراءتان في كتابي عبقرية الصورة والمكان

قريبا ...قراءتان في كتابي عبقرية الصورة والمكان

اربعة قراءات في كتاب الخطاب السينمائي

اربعة قراءات في كتاب الخطاب السينمائي

Recent Posts

Unordered List

Definition List

مرحبا بكم في " ابعاد " مدونة د.طاهر علوان العدد 62 السنة الرابعة 2010 ..في هذا العدد :فيلم انجريد للمخرج الأسباني ادوارد كورتيس ،فيلم افاتار نقلة هائلة على صعيد الصورة الثلاثية الأبعاد والمزيج الخلاق بين الواقع و المقابل الأفتراضي ..الحب في زمن الكوليرا" بين الرواية والفيلم جدل التاريخ والمكان والبحث في البناء الجمالي ..دفاتر .. الناقد السينمائي في وظيفة شارح الصورة..فيلم "الرحلة الأخيرة " للمخرج كريم دريدي:بقايا استعمارية والصحراء ملاذ اخير..المشاعر والقلوب المحطمة في تجربة المخرج الأسباني المودافار.. فيلم لااحد يعلم عن القطط الفارسية .. ..كما ادعوكم لزيارة "ورشة سينما " مجلة سينمائية مستقلة على الأنترنيت شكرا لكم على الزيارة .....قريبا قراءة نقدية لفيلم "خزانة الألم" الفائز بأهم جوائز الأوسكار ...نأمل عدم اعادة نشر المقالات المنشورة في هذه المدونة في اية وسيلة نشر من دون الحصول على موافقة صاحب المدونة شخصيا لأن ذلك يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية ..وشكرا
Powered by Blogger.

Followers

Video Post