كتاب الخطاب السينمائي لطاهر علوان : يؤسس لأتجاه جديد في النقد السينمائي

يوسف يوسف*
القليل من الكتابات التي يصنّفها أصحابها على اعتبار أنها من جنس النقد السينمائي تستحق الاحترام، وبعكس ذلك فإن الغالبية من هذه الكتابات لا تستحق مثل هذه النظرة، خصوصا تلك التي اعتاد أصحابها اجترار زوايا النظر ذاتها التي اعتادوا الالتفات منها إلى كل فلم يكتبون عنه، مثلما اعتادوا تكرار المفردات ذاتها، بدون أية رغبة حتى في تحسين البنية اللغوية لما يكتبونه. وكتاب الناقد طاهر عبد مسلم علوان(الخطاب السينمائي) واحد من هذا القليل الذي يجب على القارئ أن لا يمرّ من أمامه مرورا عابرا، فهو والحق يقال، نتاج عقل يتجاوز النقل والتكرار، ويحفر بدون كلل في أكثر من طبقة، وبه يؤسس صاحبه موقعا متميزا بين من السينما.

من علامات ذلك وهو ما يلفت الانتباه، تطابق قراءات طاهر النقدية، مع فهمه لماهية وبنية النقد السينمائي كما يوضحها في الجزء التنظيري من الكتاب. والنقد السينمائي كما يراه ويتعامل معه، ميدان تتداخل فيه مفاهيم وقواعد تتعلق بنظريات النقد الحديث من جهة، وبغيرها مما في الفلسفة والأدب وعلم الجمال والسينما نفسها من جهة ثانية، وهو الفهم الذي يطمح إلى احتلال الموقع المتميز، الذي من أهم ملامحه التبشير باتجاه جديد في النقد، يمكن فهم أبعاده من خلال مجموعة العناوين التي يتناولها المؤلف بالبحث ومنها: جماليات البناء الشعري في الفلم، قراءة رولان بارت لشعر السرد عند ايزنشتين ، خطاب الغرائبية السمعبصرية، أنساق النصّ والشكل السمعبصري،مستويات السرد السمعبصري نظرة إلى السردية في السينما الفرنسية، إشكالية النسق والنوع الفلمي. ومعنى ذلك كله أنّ المؤلف يحاول الانفتاح على ما هو حديث في النقد، بإدماج نظرية النقد السينمائي بنظرية النقد الأدبي، وهو مما جعله يستحضر أطروحات وكشوفات مفكرين كبار مثل فوكو وايفا نوكس وبروب وبارت وفان ديك وجاكوبسن وغيرهم الكثيرين.في الكتاب أربعة فصول يجمعها ناظم البحث عن معنى الخطاب السينمائي وصلة السرد السينمائي بالسرد الأدبي. وهنا قد يسأل القارئ عن المبررات التي يقدمها المؤلف، إلا أنه سرعان ما يبدّد أية حيرة قد تعتريه من خلال الوقوف به أمام معنى الخطاب كما يفهمه هو، وليس كما يفهمه الكثيرون، إذ أنّ هذا الخطاب كما يراه ويفهمه طاهر يمتد من الكلمة المكتوبة في السيناريو الأدبي إلى الصورة التي نراها في الفلم. أي أنه لا ينحصر في الثانية كما يعتقد الكثيرون ممن يتعاملون مع الفلم باعتباره فنا سمعبصريا.وبسبب هذا الامتداد الذي يبدأ من الكلمة –الأدب وينتهي بالصورة –السينما في المفهوم التقليدي نتبين أسباب الحديث عن إدماج.الخطابين ببعضهما وتداخلهما معا. س ـ في الفصل الأول: شعرية السرد السينمائي ، يعالج المؤلف هذه الحالة بوصفها نظاما زمانيا ومكانيا وحكائيا وعلاميا.وكما يتصور الأمر فإن الشعرية المقصودة هنا إشكالية على نحو ما، وهي تتصل بالنوع الإبداعي /روائي تسجيلي، وبالأسلوب/ واقعي انطباعي، وكذلك بالمديات التي يصلها المبدع في الفلم ابتداء من كاتب السيناريو-الكلمة وانتهاء بالمخرج-الصورة. ومن الضروري أن نعرف هنا أنّ السينمائي الذي ينتج الخطاب ينشغل بكيفية إنتاج المعنى الذي يتمظهر أخيرا من خلال الدلالات السمعية والبصرية والحركية. على أنّ فهم ذلك يقترن بفهم كيفية توليد المعنى في النصّ الشعري. ومن النماذج التطبيقية التي يتناولها في درس شعرية التكوين السينمائي أفلام:"الهزاز"و"سيدة من شنغهاي" و"ماس ورماد" و"الخادم"و"ممرات المجد" وهناك غيرها أفلام لمخرجين كبار منهم:آلان رينيه، وأنطونيوني وفيليني وكلود شابرول. كما ويعرض لشعرية السرد من خلال تجارب أنجمار برجمان وايزنشتين ولخطاب الغرائبية من خلال ملك الخواتم والمرأة الخارقة والخفافيش والقردة. وعلى ذكر الغرائبية في السينما المعاصرة، فإنها لم تعد نزوعا فانتازيا مجردا، ولا توظيفا للتقنيات السمعبصرية المجردة، بل هي بناء سردي وفكري وجمالي تسنده التقنيات المعاصرة وشتى أنواع الخدع التي يقدمها الكومبيوتر. في الفصل الثاني يتوقف أمام ثنائية السيناريو والسرد، أي إنه يبحث عن عناصر المقاربة بين الشكل الأدبي والنسق السمعبصري.وفي هذا المجال، ونظن أنّ ما يشير إليه هو الصواب، فإن نشأة السينما في عام 1895 كانت تعني أنّ الأدب بدأ يتمظهر عبر الصورة ويقدم دلالاته من خلالها. بل ويمكن القول بأنّ الصورة وجدت في الأجناس الأدبية المعروفة (الرواية والقصة والشعر والمسرج) رافد لا ينقطع لتحولات الأفكار من الكلمة على الصورة. ومن الضروري أن ندرك هنا أنّ الصورة كوسيلة تعبير ليست حالة مجردة مرئية فحسب، بل إنها وبحسب التعبير الذي يستخدمه المؤلف مدّ مركب من الشيفرات الداخلية، ليس أقلها أهمية اللون والعمق والإضاءة والتكوين، وكما يقرر(دافيد كوك) ، أحد أهم المنظرين للصورة السمعبصرية في قوله:إن القليلين هم الذين تعلموا كيف يفهمون الطريقة التي تمارس بها هذه الصورة تأثيرها إنها تخلق العديد من الرسائل التي لا تريد أن تنتهي ، والتي تحيط بنا من كل جانب. في المقاربة بين السيناريو والشكل الأدبي، يطلق طاهر مسلم على الأول لقب الوسيط النوعي، الذي يقع عادة بين الرواية- أو النصّ الأدبي عموما وبين الصورة المعروضة على الشاشة. وإذا كانت شيفرات الرواية تتغلغل كما يقول في شبكة المرويات وبدوافع الشخصية،فإن شيفرات السيناريو تتغلغل في شبكة التعبير الظاهري المباشر.بمعنى أنّ السيناريو يقوم على سلسلة من آليات الإحالة من نسيج النص الروائي وشكله الثنائي(المقروء/المتخيل) إلى شكله الثلاثي(المرئي/المسموع/المتحرك) والمقصود بالعنصر الأخير حركة الأشياء داخل إطار الصورة. ولعله من الضروري التنبيه هنا إلى أنّ السرد السمعبصري هو نمط من أنماط السرد المبنية على انساق نصية سابقة-الروائي أو الحكائي أو الشعري أو المسرحي.ولهذا من المهم أن يعرف الناقد قبل غيره ، أنّ لنسق النصّ تمثلات مختلفة في المدارس المعاصرة، وبموازاة ذلك فإنّ النسق السمعبصري هو نسق (علامي)، أي إنه مقترن بالعلامة السمعبصرية. وانطلاقا من (بارت) فإنه أيضا نسق متعدّد العلامات، وكثيف في تصديرها، كما أنه يوظف العلامات على أساس قاعدة (الرسالة) التي تنقل إلى الآخر (المتلقي) فهي رسالة رمزية وضمنية.وضمن السياق نفسه من البحث، فإن مسلم في الفصل الثالث (نسق السرد والنوع ألفلمي) يحاول تعميق الأطروحات السابقة، انطلاقا من دراسة النوع ألفلمي الذي تناوله بإسهاب (س. سولومون) الناقد الشهير في كتابه ( أنواع الفلم الأمريكي). لماذا حديث النوع هنا، فذلك لأنّ الخطاب السمعبصري انفصل عن بقية أنساق الخطاب المجاورة ( الرواية، المسرح، الشعر..) وتشكل على هيئة خطاب موازي مكتمل العناصر ، وله نماذج نسقية خاصة إنّ هذا النسق الذي يكرس النوع كما يقول المؤلف، يقدم التبرير لدراسته باعتباره إنتاجا موازيا ، أو سردا مستقلا يتداخل ويتجاور مع سواه من السرديات.بيد انه من الضروري الانتباه إلى أنه ثمة تنوّع تعبيري دال يتسع باتساع النوع في الخطاب ألفلمي.ومما يذهب إليه سولومون أنّ مفهوم النوع قد لاقى قبولا واسعا لدى الجمهور العريض. ولعل هذا الأمر هو الذي يعمق رسالة الفلم الهادفة، وعلاقتها بشريحة هائلة من البشر من متذوقي الفن السابع. أخيرا وبعد أن يكون المؤلف قد أنهى الحديث في الفصول السابقة حول خطاب السينما من الكلمة إلى الصورة، وبعد أن تكون علاقة النسقين:اللغوي والصوري قد اتضحت، فإنه في الفصل الرابع الأخير يتناول قضية الإعداد والاقتباس، ألتي هي قضية تحويل النص الأدبي إلى نصّ سينمائي. إنّ النصّ السمعبصري ينشد متنا ومبنى حكائيين، وهذا مما أدى إلى تعميق العلاقة بين الرواية والفلم ، وجعل الاولى أكثر إغراء للسينمائيين لإعدادها وتحويلها إلى أفلام.إنّ الوسيط النوعي في عملية الإعداد والاقتباس يرتكز أساسا على المقارنة بين الشكلين : الروائي والسمعبصري، غدا يشكل الأدب مصدرا مهما من المصادر المعتمدة في كتابة النصّ السمعبصري.وإذا كان فن الفلم في مراحل البدايات قد اعتمد على نقل حكاية أومضمون حكائي إلى الجمهور عندما كانت (التقنية) في بداياتها ، فإن فن الفلم صار يبحث بالتدريج عن نصوص تشكل (الوسيط)بين الشكل السينمائي والمضمون الحكائي.وإنّ الوسيط النوعي (السيناريو)هو وسيط بمعنى أنه حلقة بين ما هو أدبي وسينمائي. ومن جهة أخرى فإنه (توع) مستقل يقتبس من المصادر لكنه لا ينتمي اليه، فهو-السيناريو نوع غير قابل للتغيير أو التعديل. وبعد، فإن المؤلف طاهر عبد مسلم علوان في كتابه الجديد، يحاول الإضافة إلى النقد السينمائي، عبر ضخ مفاهيم جديدة في شرايينه، من شأنه الانتقال به من حالة الركود إلى حالة الحيوية التي يتحرر بها من المفاهيم التي باتت بلا جدوى حقيقية، وهي الصفة التي تحسب لصالحه، خصوصا وأنّ أغلب ما يكتب من نقد سينمائي، قد ضاقت الآفاق أمام أصحابه، ولم يعودوا يبصرون غير ما اعتاد عليه السابقون قبل ما يزيد على النصف قرن من عمر النقد، وعمر السينما. كتاب/الخطاب السينمائيمن الكلمة إلى الصورةالمؤلف / طاهر عبد مسلم علوان الناشر/دار الشؤون الثقافية العامة
جريدة الأتحاد 5-8-2006
*ناقد وكاتب من فلسطين مقيم في العراق

0 comments

Time is measured from nothing but an imaginary CLOCK

في الصورة ..باتجاه الأبعاد
...تولد الصورة من رحم الأشياء ، من تلافيف الزمان والمكان لكنها الصورة الأم صورة التكوين وملاذ الكلمة حيث تتحد شظايا الصورة بشيفرة الكلمة لتصنع كينونة جديدة ، كينونة اخرى تليق بهذا المقدس العجيب المقدس الكامن في ابجدية الصورة وفي مكونها الجيني انسالها التي تتخلق بين ايدي اولئك المكتوين بالأبداع


Text Widget

............................................................................
A coverage for the International festival for the idependent film (Bruxelles )

http://www.cinearabe.net/Article.aspx?ArticleID=1918&SectionID=1&SectionName=الصفحة%20الرئيسية


http://www.cinematechhaddad.com/Cinematech/WrightsInCinema/WrightInCinema_TaherElwan.HTM

http://www.tunisalwasat.com/wesima_articles/index-20070706-6651.html

شكرا لكم على التهنئة لمناسبة تكريمي بميدالية المدينة الذهبية من عمدة مدينة بروكسل ..خاصة الى :
هشام الصباحي - الفنان التشكيلي العراقي حسن حداد - الناقد السينمائي البحريني حسن حداد - ليلى السيد - كاترين مونتوندو - صفاء ذياب - مريام فيرنديت - حسين عباس - اياد الزاملي - شاكر حامد - حسن بلاسم - عدنان المبارك -د.اكرم الكسار - د.خليل الزبيدي - شيركو -كرم نعمة-قناة الشرقية - جريدة الصباح - لطفية الدليمي - فؤاد هادي - د.سامي علي - جنان شمالي -رانيا يوسف - رضوان دويري -اشرف بيومي - رانوبون كابيتاي - ايميلي بالمر -ميك فوندربروكن - فريدي بوزو - ارين برديتشي- د.عمار العرادي - دينيس فيندفوكل - هانا فرانوفا - جوانا تاكمنتزس

..........................................................................

#طاهر علوان في حوار على القناة الأولى في التلفزيون البلجيكي ..اذهب الى الرابط لطفا

http://www.een.be/televisie1_master/programmas/e_kopp_r2006_a027_item1/index.shtml

موقع مهرجان بغداد السينمائي وجمعية سينمائيون عراقيون بلا حدود
http://cinbord.blogspot.com/



السلام عليكم ..welcome ... to my cinema blog...........TAHER ALWAN



تكريم الدكتور طاهر علوان بميدالية المدينة الذهبية من قبل عمدة مدينة بروكسل



بروكسل - (وكالات ): منح عمدة مدينة بروكسل (فريدي ثيلمانس ) ، الدكتور طاهر علوان ميدالية المدينة تقديرا لعموم منجزه السينمائي والثقافي في حفل جرت وقائعه في مبنى المؤتمرات في العاصمة البلجيكية بين نخبة من العاملين في حقل السينما نقادا ومخرجين واكاديميين من عدد من بلدان العالم من ذوي التميز المشهود .

واختير طاهرعلوان اختير مؤخرا عضوا في لجنة التحكيم الدولية لمهرجان السينما المستقلة في بلجيكا.

وتحدث في الحفل روبير مالنيكرو مدير مهرجان السينما المستقلة منوها بجهود طاهر علوان ومنجزه ومواصلته مشروعه السينمائي فيما حيا رئيس المهرجان مارسيل كراوس من خلال الدكتور طاهر عموم السينمائين ، ورحب عمدة المدينة بالتكريم متمنيا للسينمائيين التقدم .

وتحدث طاهر علوان شاكرا عمدة المدينة وادارة مهرجان السينما المستقلة على مبادرتها وتكريمها الذي عده فخرا كبيرا له وللسينما والثقافة واعترافا بتجدد الحياة الثقافية والسينمائية .

وامضى علوان الذي يحترف الكتابة القصصية والنقد السينمائي مايقرب من ربع قرن من العمل سواء في التدريس الجامعي او في النشر وهو مؤسس مهرجان بغداد السينمائي الذي اقيم في دورته الأولى عام 2005 وتقام دورته الثانية في اواخر شهر كانون الأول ديسمبر ، وهو ومؤسس ورئيس تحرير مجلة عالم الفيلم وهو ناقد سينمائي وعضو في لجان التحكيم في عدد من المهرجانات


......................................

المقالات في موقع سينماتيك

http://www.cinematechhaddad.com/



.......................................................................
كافة الحقوق محفوظة ..ولايسمح بأعادة نشر المقالات المنشورة في هذه المدونة في اية وسيلة نشر من دون الحصول على موافقة مباشرة من صاحب المدونة لأن ذلك يعد مخالفة قانونية لحقوق المؤلف والملكية الفكرية كما انه يعد نوعا من انواع السطو على جهود الآخرين ..آملين تفهم ذلك ..وشكرا
......................................
دعوة للجميع

ورشة سينما ..مجلة سينمائية مستقلة متخصصة لجميع المستويات : محترفين وهواة تقدم محاضرات ومقالات ودراسات واستطلاعات وكتب سينمائية وورش عمل ونصوص سيناريو واستشارات وهي ورشة مفتوحة للجميع ..مقالات ودراسات ومحاضرات في العديد من قضايا السينما في العالم العربي والعالم ..وهنالك المزيد ....دعوة للمشاركة ..ودعوة لزيارة الورشة على الموقع :
http://cineworkinst.eu































اصدقاء جدد لورشة سينما...اهلا


عالم من الشعر والموسيقى ..قراءات للعالم والناس والأماكن والذكريات ..تتجدد في مدونتي ..صعود القمر ..
enjoy it
http://themoonrising.blogspot.com/
............................................................
مدونتي بالأنجليزية : شعر باللغة الأنجليزية وموسيقى وباستمرار هنالك نصوص جديدة http:taheralwan.blogspot.com/
..........................................................
to contact me
dimensions_man@yahoo.com

.............................................
تصميم مدونة "ابعاد" : احمد طاهر























































































































































































































































































































































































































































العدد 61السنة الرابعة
شكرا لكم على الزيارة
مدونتي الأدبية : صعود القمر
مدونتي باللغة الأنجليزية































































تصميم المدونة :احمد طاهر
Designed by : Ahmed Taher

دفاتر


دفاتر

لغة الأدب ولغة الفيلم المعاصر

طاهر علوان



"العلامة تؤسس بذاتها المادة النوعية للسينما"

جاكوبسن

I



تتكاثر الشاشات من حولنا ، والأصوات تملأ الأماكن ، ونحن وسط التدفق الجبار لوسائل الاتصال السمعية البصرية نشهد كيف تتوالد في هذه المدارات الجمالية المشرقة ابداعات الإنسان التي لا تعرف إلا التجدد والتألق، فالشاشات تكتظ بالجديد، وآلات التصوير ما زالت تدور منذ مائة عام ونيف، والحصيلة مئات الآلاف من الأمتار من أشرطة الصورة ومثلها أشرطة الصوت وما زالت المكائن تدور والأصابع تضغط على مفاتيح آلات التصوير لتولّد المزيد والمزيد من الصور.

ولم تكن نشأة السينما وظهور انتاجها الفعلي في العام 1895 على يد الاخوة لومير في فرنسا، إلا تأكيداً لمقولة ان الأدب يتمظهر عبر الصورة هذه المرة ويقدّم دلالاته. فالرواية والقصة والشعر وبموازاتهم جميعاً ـ المسرح، قد ألهموا البشرية ابداعاً لا ينقطع من خلال صدق التعبير عن تحولات الحياة وارهاصات الذات الإنسانية. ولذا وجدت (الصورة) في ذلك الإرث الإنساني الهائل رافداً لا ينقطع لتحولات الأفكار من (الكلمة) الى (الصورة). انه تعميق لاشكالية راسخة من اشكاليات (التلقي) تلك التي عنيت بها المدرسة الحديثة في علوم السرد خاصة.. بين ان يجري التعبير بالكلمة والمروي، وبين التعبير بالصورة.. بالشريط حيث يكون المروي محمولاً بمكوناته ومدخلاته. من هنا وجدنا ان هنالك تواصلاً عميقاً في طرائق التعبير، بين الكلمة والتخيل من جهة، وبين التجسيد والتعبير المباشر الذي يحرك الحواس (السمع والبصر) مباشرة، موظفاً (الحركة) لتعميق التعبير.







ان هذه الاشكالية تحيلنا الى توظيف أدوات التعبير ، وتداخلاتها، فإذا كان كاتب النصّ يجد نصّه وقد تحول الى الشاشة عبر آلاف الصور، فانه ازاء مد غزير من الوسائل و الأدوات التي تقدم الصورة، فالصورة ليست حالة مجردة مرئية فحسب، بل هي كما نعرف مد مركب من (الشيفرات) الداخلية ليس أقلها أهمية اللون والعمق والإضاءة والتكوين، انه هنا تتويج لما قطعته البشرية عبر تاريخها في ميدان الفن البصري، فما تتيحه (الآلة). آلة التصوير من خيارات لا تنتهي تجعل من معطيات التعبير عن (الإبداع الأدبي) أُفقاً لا تحده حدود من خلال ما يتيحه من قدرات عبقرية للتجسيد.











II











إن الصورة صارت تشكّل مفاهيمنا ، وكما يذهب (دافيد كوك) أحد أهم المنظّرين للصورة السمعبصرية، في قوله: "ان القليلين هم الذين تعلموا كيف يفهمون الطريقة التي تمارس بها هذه الصور تأثيرها، انها تخلق العديد من الرسائل التي لا تريد أن تنتهي، والتي تحيط بنا من كل جانب، وبتشبيه هذه الحالة فاننا، مع اللغة المكتوبة والمنطوقة، يمكن أن نعد أنفسنا أميين فنحن نستطيع أن نستوعب أشكال اللغة دون أن نفهمها حقاً فهماً كاملاً وشاملاً.



بحسب جاكوبسن ، فاننا ازاء بنية النص وما تنطوي عليه من علاقة بين الرسالة التي لها نسقها المرتبط بالنص وشفراته الخاصة، تلك التي تتمظهر في الكلام المروي أو الرسائل التي تنقل داخل النص نفسه. يضاف لذلك إدراكنا لبنى مزدوجة تنطلق من قاعدة معرفية تفسر الرسالة عبر تفسير الشيفرة. ونجد ان هذه المعطيات الداخلية للنص تعززها وجهة نظر توماشفسكي، مثلاً في تحديده للمتن الحكائي للنص، بوصفه عرضاً لمجموع الأحداث المتصلة فيما بينها، والتي تكون المادة الأولية للحكاية، وبموازاة ذلك يبرز المبنى الحكائي، بوصفه نظاماً خاصاً بالنص لطريقة ظهور الأحداث في المروي ذاته.



وسننطلق من الحدث تلك البؤرة التي تتجمع من حولها اتجاهات النص فتتكشف أفعال الشخصيات ودوافعها والحيز الزماني والمكاني الذي يؤطر ذلك الحدث.







III











إن هذه المعطيات : الشخصية / الحدث / الزمان / المكان ، ظلت تحرك الإطار التجريبي للنصوص زمناً طويلاً، ويشير تاريخ الرواية بشكل خاص، الى تلك التحولات العملاقة التي شهدها الفكر الإنساني الذي تجسد في الرواية كمدار كامل للحياة البشرية، حيث سُـجّلت عبرها سيرة الإنسان بعمق وتنوع ملفت.







وإذا كان الشكل الكلاسيكي للرواية قد أعطى الدرس الأول في المكونات الرباعية آنفة الذكر، فانه قدم أرضية واسعة (للحبكة) التي تتحرك بموجبها الأحداث. ولذا وجدت الدراسات السردية فيما بعد مدىً مكتملاً يتيح التعرف على الآليات التي تتحرك بموجبها الأحداث والدوافع الظاهرة والكامنة التي تحث الشخصيات كي تفعل شيئاً أو تقول شيئاً.







ومن هنا وجدت ان الإبداع الأدبي ـ الروائي ـ خاصة قد يؤثر في خصائص لم تكن جميعها في خدمة (الصورة)، بل ان هنالك هامشاً من التجربة قد وجدت الصورة نفسها ازاءه أمام أسئلة كثيرة وعديدة. ولم تكن تجربة المخرج الروسي الرائد (ايزنشتاين) في محاولته غير الموفقة لنقل رواية (يوليسيس) لجيمس جويس إلا صورة من صور هذه العلاقة الاشكالية، بمعنى ان التطور البنائي للرواية لم يكن يعني تطابق ذلك التطور مع احتياجات السينما من النص. ولتقريب الصورة نجد ان المنظّر الكبير (ادوين موير) يستقرئ النص الروائي من وجهة نظر أخرى تحاكي (الحاجة) الحقيقية للصورة المرئية.























































































































































































































































































































































































Blog Archive

انتقلنا الى الموقع الجديد لورشة سينما

انتقلنا الى الموقع الجديد لورشة سينما

عمدة مدينة بروكسل فريدي ثيلمانس في حفل تكريم طاهر علوان

عمدة مدينة بروكسل فريدي ثيلمانس في حفل تكريم طاهر علوان

قريبا ...قراءتان في كتابي عبقرية الصورة والمكان

قريبا ...قراءتان في كتابي عبقرية الصورة والمكان

اربعة قراءات في كتاب الخطاب السينمائي

اربعة قراءات في كتاب الخطاب السينمائي

Recent Posts

Unordered List

Definition List

مرحبا بكم في " ابعاد " مدونة د.طاهر علوان العدد 62 السنة الرابعة 2010 ..في هذا العدد :فيلم انجريد للمخرج الأسباني ادوارد كورتيس ،فيلم افاتار نقلة هائلة على صعيد الصورة الثلاثية الأبعاد والمزيج الخلاق بين الواقع و المقابل الأفتراضي ..الحب في زمن الكوليرا" بين الرواية والفيلم جدل التاريخ والمكان والبحث في البناء الجمالي ..دفاتر .. الناقد السينمائي في وظيفة شارح الصورة..فيلم "الرحلة الأخيرة " للمخرج كريم دريدي:بقايا استعمارية والصحراء ملاذ اخير..المشاعر والقلوب المحطمة في تجربة المخرج الأسباني المودافار.. فيلم لااحد يعلم عن القطط الفارسية .. ..كما ادعوكم لزيارة "ورشة سينما " مجلة سينمائية مستقلة على الأنترنيت شكرا لكم على الزيارة .....قريبا قراءة نقدية لفيلم "خزانة الألم" الفائز بأهم جوائز الأوسكار ...نأمل عدم اعادة نشر المقالات المنشورة في هذه المدونة في اية وسيلة نشر من دون الحصول على موافقة صاحب المدونة شخصيا لأن ذلك يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية ..وشكرا
Powered by Blogger.
There was an error in this gadget

Followers

Video Post